كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
الشهباءِ رَأَيْنَا رجالاً بِيضًا على خيلٍ بُلْقٍ وقالوا لنا: «ارْجِعُوا، شَاهَتِ الوجوهُ» (¬1)، وقد كان النبيُّ قال أيضًا هذه الكلمةَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ، فانْهَزَمُوا». وجاء من رواياتٍ أُخَرَ أن مالكَ بنَ عوفٍ النَّصْرِيَّ سيدَ هوازنَ أَرْسَلَ عيونًا يَتَجَسَّسُونَ له أخبار النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فجاؤوه وقد انْخَلَعَتْ أوصالُهم. أي: كان ما بينَ عظامِهم مُتَفَكِّكًا. فقالوا: رَأَيْنَا رجالاً بيضًا على خَيْلٍ بلقٍ فما تَمَالَكْنَا أن وَقَعَ بنا ما ترى (¬2).
وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) في هذا القرآنِ العظيمِ ذَكَرَ التأييدَ بجنودِ الملائكةِ في أربعِ سورٍ من كتابِه، في ثلاثةٍ منها يقولُ: {لَّمْ تَرَوْهَا} وفي الرابعةِ لم يَقُلْ: {لَّمْ تَرَوْهَا}.
أما الثلاثُ التي قال فيها: {لَّمْ تَرَوْهَا} فمنها: الملائكةُ الذين نَزَلُوا في غزوةِ الخندقِ - غزوةِ الأحزابِ - الآتِي ذِكْرُهُمْ في قولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: آية 9].
الثانيةُ: الملائكةُ الْمُنَزَّلُونَ في غزوةِ حنينٍ هذه، المذكورونَ في قولِه: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: آية 26].
¬_________
(¬1) أخرجه الطبري في التفسير (14/ 186، 188)، وذكره ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير ص168، وانظر: مرويات غزوة حنين (1/ 208 - 209).
(¬2) أخرجه الواقدي في المغازي (3/ 892)، وابن سعد في الطبقات (2/ 108)، والطبري في التاريخ (3/ 127)، وذكره ابن هشام في السيرة، وابن القيم في الهدي (3/ 467)، وابن كثير في تاريخه (4/ 323)، وابن الأثير في الكامل (2/ 178).