كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
ويحرمَ؟! ومن ذلك قولُه تعالى في أخرياتِ القصصِ: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ (¬1) [إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}] [القصص: آية 88].
[6/أ] / والآياتُ القرآنيةُ في مثلِ هذا كثيرةٌ جِدًّا. والحاصلُ أن التشريعَ لا يكونُ إلا للأعلى الذي لا يمكنُ أن يكونَ فوقَه آمِرٌ ولاَ نَاهٍ ولا مُتَصَرِّفٌ، فهو للسلطةِ العليا، أما المخلوقُ الجاهلُ الكافرُ المسكينُ فليس له أن يُحللَ ويحرِّمَ، والعجبُ كُلُّ العجبِ مِنْ قومٍ كان عندهم كتابُ اللَّهِ وَرِثُوا الإسلامَ عن آبائِهم، وعندَهم هذا القرآنُ العظيمُ، والنورُ المبينُ، وَسُنَّةُ خيرِ الخلقِ صلى الله عليه وسلم، يُبَيِّنُ اللَّهُ ورسولُه كُلَّ شيءٍ، ومع ذلك يعرضونَ عن هذا زاعمينَ أنه لا يَحْسُنُ القيامُ بشؤونِ الدنيا بعدَ تطوراتِها الراهنةِ، يطلبونَ الصوابَ في زبالاتِ أذهانِ كفرةٍ خنازيرَ، لاَ يعلمونَ شيئًا!! هذا مِنْ طمسِ البصائرِ - والعياذُ بالله - لا يُصَدِّقُ به إلا مَنْ رآه، ولكن الخفافيشَ يعميها نورُ القرآنِ العظيمِ، فالقرآنُ العظيمُ نورٌ عظيمٌ، والخفاشُ لا يكادُ أن يرى النورَ:
خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ ... فَوَافَقَهَا قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ (¬2)
هذا القرآنُ العظيمُ ينصرفونَ عنه، وترى الواحدَ الذي هو مسؤولٌ عنهم يُعْلِنُ في غيرِ حياءٍ من اللَّهِ ولا حياءٍ من الناسِ بوجهٍ لا ماءَ فيه، بكلِّ وقاحةٍ أنه يُحَكِّمُ في نفسِه وفي الناسِ الذين هم رعيتُه الذين هو مسؤولٌ عنهم يحكمُ في أديانِهم، وفي أنفسِهم، وفي عقولِهم، وفي أنسابِهم، وفي أموالِهم، وفي أعراضِهم، قانونًا أَرْضِيًّا
¬_________
(¬1) في هذا الموضع انقطع التسجيل، وقد أكملت الآية وجعلت ذلك بين معقوفين.
(¬2) مضى عند تفسير الآية (128) من سورة الأنعام.