كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

وهذا لا يمكنُ أبدًا {وَيَأْبَى اللَّهُ} (جلَّ وعلا) {إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} للعلماءِ بحثٌ لغويٌّ في قولِه: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ} (¬1) قالوا: لأَنَّ الاستثناءَ يكونُ مِنْ نَفْيٍ قَبْلَهُ، وهنا ليس فيه نَفْيٌ، والإثباتُ لاَ يُسْتَثْنَى منه، فلا تقولُ: ضربتُ إلا زيدًا، وأكرمتُ إلا عَمْرًا.
وأجاب بعضُ العلماءِ عن هذا بأن الإباءَ فيه معنَى الامتناعِ، والامتناعُ مُضَمَّنٌ معنَى الجحدِ، هم يريدونَ كذا ولم يُرِدِ اللَّهُ إلا أن يُتِمَّ نورَه. فهو في معنَى النفيِ.
وقال بعضُ العلماءِ: هو متعلقٌ بمحذوفٍ: وَيَأْبَى اللَّهُ كُلَّ شيءٍ إلا إتمامَ نورِه، فهذا وحدَه لا بُدَّ أن يَقَعَ.
ثم قال: {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} فَلَوْ كَرِهَ الكافرونَ إتمامَه فهو مُتَمِّمُهُ مَهْمَا كان.
{هُوَ} أي: اللَّهُ {الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} [التوبة: آية 33] هو محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
{بِالْهُدَى} قال بعضُ العلماءِ: الْهُدَى أيضًا هو هذا القرآنُ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: آية 185] قالوا: {بِالْهُدَى} أي: بالقرآنِ الفارقِ بينَ الحقِّ والباطلِ {وَدِينِ الْحَقِّ} هو دينُ الإسلامِ؛ الذي لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ غيرَه {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران: آية 19] {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: آية 85] وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: آية 3].
¬_________
(¬1) انظر: الدر المصون (6/ 40).

الصفحة 450