كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
{لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} الضميرُ فِي قولِه: {لِيُظْهِرَهُ} فيه وجهانِ للعلماءِ (¬1): قال بعضُهم -وَهُوَ مَرْوِيٌّ عن ابنِ عَبَّاسٍ (¬2) -: الضميرُ عائدٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم. أي: أَرْسَلَهُ بهذا الْهُدَى {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} ليطلعَه على جميعِ الأديانِ فَيُبَيِّنُ لأهلِها حقيقَها من باطلِها، كما قَدَّمْنَاهُ في قولِه: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: آية 48] {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ} [المائدة: آية 15] {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: آية 93] وغير ذلك من الآياتِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَلِمَ من كتابِ اللَّهِ ما جاء في جميعِ الكتبِ المتقدمةِ.
القولُ الثانِي: - وعليه الأكثرُ - أن الضميرَ لِلدِّينِ {لِيُظْهِرَهُ} أي: ليظهرَ دِينَ الإسلامِ، أي: يُعْلِيَهُ على جميعِ الأديانِ كُلِّهَا. وهذا الإعلاءُ يدخلُ فيه إظهارُه بالحجةِ والبرهانِ، فبراهينُه قاطعةٌ، وَحُجَجُهُ ساطعةٌ لاَ شَكَّ فيه، وكتابُه محفوظٌ، فلا شيءَ يُوَازِيهِ ولاَ يُشَابِهُهُ.
قال بعضُ العلماءِ: {لِيُظْهِرَهُ} أي: يَنْصُرَهُ ويُغَلِّبَهُ على جميعِ الأديانِ، وقد وَفَّى اللَّهُ بهذا فيما مَضَى، وَسَيَفِي به - أيضًا - في المستقبلِ؛ لأن الدينَ فيما مضى ظَهَرَ على جميعِ الأديانِ، وَأَذَلَّ الدولَ الكبارَ العظيمةَ المعروفةَ، كالدولةِ الكسرويةِ، والدولةِ القيصريةِ، لم يَبْقَ منهم إلا مَنْ هو يُعْطِي الجزيةَ عن يدٍ وهو صاغرٌ، أو مُسْلِمٌ، وَانْتَشَرَ في أقطارِ الدنيا من شَرْقِهَا وغربِها، وَظَهَرَ على كُلِّ الأديانِ، وَأَذَلَّ أهلَها، وسيأتِي ذلك في آخِرِ هذا الزمانِ أيضًا كما جاء في أحاديثَ صحيحةٍ كثيرةٍ أنه لا يَبْقَى في آخِرِ الزمانِ أحدٌ إلا كان
¬_________
(¬1) انظر: ابن جرير (14/ 215)، القرطبي (8/ 121)، ابن كثير (2/ 349).
(¬2) أخرجه ابن جرير (14/ 215) من طريق علي بن أبي طلحة.