كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
بِالْبَاطِلِ} أي: فكيف تتخذونَ هؤلاء أربابًا مع أن الإنسانَ لو اتَّخَذَ أشرفَ الأنبياءِ رَبًّا أو أعظمَ الملائكةِ رَبًّا لكانَ مِنْ كبارِ المشركينَ، أَحْرَى مَنْ يتخذُ الفجَرَةَ أَرْبَابًا {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ (80)} [آل عمران: الآية 80] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ ... } العلماء {وَالرُّهْبَانِ}: المتعبدينَ في صوامعِهم.
{لَيَأْكُلُونَ} هذه أصلُها لامُ الابتداءِ التي تُزَحْلِقُهَا (إِنَّ) المكسورة عن المبتدأِ إلى الخبرِ {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} قال بعضُ العلماءِ: يأخذونَ الرُّشَا. وقال بعضُ العلماءِ: يأخذونَ من أتباعِهم أموالاً باسمِ الدِّينِ ثم يأكلونَها، قال بعضُهم: يأخذونَ أموالاً باسمِ الكنيسةِ والبيعةِ ونحوِ ذلك مما يُخَيِّلُونَ لأتباعِهم أن أخذَه مِنَ الدِّينِ ومرادُهم الغرضُ الدنيويُّ (¬1).
وقولُه: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} لأَنَّ مَنِ استشارَ الرهبانَ والأحبارَ مِنْ أتباعِهم: هَلْ يأخذُ دِينَ الإسلامِ يمنعونَهم من ذلك، وَيَصُدُّونَهُمْ عن سبيلِ اللَّهِ التي هي دِينُ الإسلامِ.
ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... } العربُ تقولُ: «كَنَزْتُ الشيءَ» إذا جمعتَه وجعلتَ بعضَه إلى بعضٍ. وكثيرًا ما يُطْلَقُ على المالِ المجموعِ بعضُه إلى بعضٍ المدفونِ في الأرضِ، والكنزُ في اللغةِ يُطْلَقُ على كُلِّ مجموعٍ مضمومٍ بعضُه إلى بعضٍ، ومنه: ناقةٌ مكتنزةُ اللحمِ؛ لأن لَحْمَهَا بعضُه مُنْضَمٌّ إلى بعضٍ. سواء كان في باطنِ الأرضِ أو على ظاهرِها (¬2).
¬_________
(¬1) انظر: القرطبي (8/ 122).
(¬2) انظر: القرطبي (8/ 123)، الدر المصون (6/ 42).
الصفحة 453