كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
قال بعضُ العلماءِ: هذه في أهلِ الكتابِ. قاله معاويةُ، واختلف معه أبو ذَرٍّ (رحمه الله). كان أبو ذَرٍّ في الشامِ فشكاه معاويةُ إلى عثمانَ فَأَشْخَصَهُ عثمانُ إلى المدينةِ، وكان أبو ذرٍّ (رضي الله عنه) عندَه مذهبٌ معروفٌ مخالفٌ لجميعِ أقوالِ الصحابةِ يُضَيِّقُ في اقتناءِ المالِ، وكان (رضي الله عنه) يقولُ: إن الإنسانَ إذا ادَّخَرَ شيئًا زائدًا عن خَلَّتِه الضروريةِ فهو كَنْزٌ يُكْوَى به وجهُه وظهرُه وجنبُه، وكان يذكرُ هذا للناسِ، وَمِنْ أجلِ هذا أَمَرَهُ عثمانُ (رضي الله عنه) أيامَ خلافتِه أن يخرجَ إلى الربذةِ وَتُوُفِّيَ بها (رضي الله عنه وأرضاه) (¬1)، وأبو ذَرٍّ معذورٌ؛ لأنه جاء النبيَّ في أولِ الإسلامِ، وكان المسلمونَ في أولِ الإسلامِ فقراءَ ليس عندهم شيءٌ، وكان التشديدُ في إمساكِ الذهبِ والفضةِ في ذلك الوقتِ عظيمًا، فَسَمِعَ من النبيِّ شيئًا ورجعَ إلى أهلِه بالباديةِ، ثم أَنْزَلَ اللَّهُ فريضةَ الزكاةِ، وَكَثُرَ المالُ واتسعَ الأمرُ، وَزَالَ التشديدُ، ولم يَعْلَمْ (رضي الله عنه) بشيءٍ من ذلك، فصارَ على التشديدِ الأولِ؛ لأنه سَمِعَهُ من رسولِ اللَّهِ ولم يَسْمَعْ ما طَرَأَ بَعْدَ ذلك. هذا قَالَهُ بعضُ الصحابةِ وهو الظاهرُ أنه الحقُّ (¬2).
قولُه: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} رَدَّ الضميرَ هنا على الفضةِ ولم يَقُلْ: «ولاَ ينفقونَهما» وللعلماءِ في توجيهِه في اللغةِ العربيةِ أقوالٌ (¬3)، والتحقيقُ أن من أساليبِ اللغةِ
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: ما أُدي زكاته فليس بكنز، حديث رقم: (1406) (3/ 271) وأخرجه في موضع آخر، حديث رقم: (4660).
(¬2) انظر: الأضواء (2/ 434).
(¬3) انظر: الدر المصون (6/ 42).