كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
وقولُه: {يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} التحقيقُ - إن شاء الله - الذي هو الصوابُ؛ أن كنزَ الفضةِ والذهبِ الذي يُكْوَى به صاحبُه هو ما مَنَعَ فيه حَقَّ اللَّهِ من الزكاةِ (¬1)، أما ما أُدِّيَتْ زَكَاتُهُ، وَأُخْرِجَ حَقُّ اللَّهِ الواجبُ فيه، فالباقِي بعدَ هذا لا يُسَمَّى كَنْزًا، وإن كان تحتَ الأرضِ، ولا يُكْوَى به صاحبُه، هذا هو المذهبُ الحقُّ - إن شاء الله - وأدلتُه واضحةٌ، وبراهينُه ساطعةٌ لاَ شَكَّ فيها؛ لأن اللَّهَ أَوْجَبَ في مالِ الإنسانِ من ذَهَبِهِ أو فضتِه أو مَاشِيَتِهِ أو ثمارِه وزروعِه، وَكُلُّ ذلك أَوْجَبَ فيه حَقًّا مُعَيَّنًا في أقدارٍ معينةٍ بَيَّنَهَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، بَيَّنَ أنها هي الحقُّ في مالِ الإنسانِ، وأن أَخْذَهَا يُطَهِّرُ الإنسانَ وَيُطَهِّرُ له مالَه، فإذا أَدَّى ما أوجبَه اللَّهُ عليه وَأَمَرَهُ به فقد طَهُرَ هو وَطَهُرَ مالُه، ولم يَبْقَ فيه شيءٌ عليه تَبَعَةٌ؛ لأن اللَّهَ لو كان يكوي به جنبَه ووجهَه وظهرَه فلا فائدةَ في دفعِ الزكاةِ إذا كان المالُ يَلْزَمُ أن ينفقَه كُلَّهُ، فلا وجهَ للزكاةِ ولا محلَّ للمواريثِ؛ لأن الفرائضَ والمواريثَ التي نَزَلَ بها كتابُ اللَّهِ إنما هي في أموالٍ تبقى بعد صاحبِها، فالتحقيقُ الذي لا شَكَّ فيه - إن شاء الله - أن الكنزَ الذي يُكْوَى به صاحبُه هو ما مَنَعَ فيه حَقَّ اللَّهِ ولم يُؤَدِّ زكاتَه، أما ما أَدَّى زكاتَه وأعطى حَقَّ اللَّهِ فيه فليس بكنزٍ ولا يُكْوَى به، فإن شَاءَ أكثرَ من التطوعِ، وإن شاء أَمْسَكَ لنفسِه، والقدرُ الواجبُ أَوْجَبَ اللَّهُ أَخْذَهُ مُعَيَّنًا بتحديدٍ من رسولِه صلى الله عليه وسلم، وَمِمَّا يوضحُ هذا قولُه [لرسولِه] (¬2) صلى الله عليه وسلم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: آية 103] وهي الزكاةُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ أَخْذَهَا يُطَهِّرُهُمْ ويزكيهم.
وفي حديثِ ضمام بنِ ثعلبةَ لَمَّا أَمَرَهُ النبيُّ بدعائمِ
¬_________
(¬1) انظر: الأضواء (2/ 431 - 434).
(¬2) ما بين المعقوفين [] زيادة يقتضيها السياق.