كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
الإسلامِ، وَذَكَرَ له فرضَ الزكاةِ، قال: هَلْ عَلَيَّ غيرُها؟ قال: «لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ» (¬1). فهذا هو الحقُّ - إن شاء الله - أنّ ما أُدِّيَتْ زكاتُه فليس بكنزٍ ولو تحتَ الأرضِ، وما لم تُؤَدَّ زكاتُه فهو كنزٌ يُكْوَى به صاحبُه وإن كان ظاهرًا على وجهِ الأرضِ.
قال ابنُ خويز منداد من المالكيةِ: هذه الآيةُ من سورةِ براءةٍ تَضَمَّنَتْ زكاةَ العينِ (¬2). يعنِي بالعينِ: النَّقْدَيْنِ، الذهبَ والفضةَ.
ونحن عادةً في هذه الدروسِ إذا مَرَرْنَا بآيةٍ من كتابِ اللَّهِ هي أصلُ بابٍ من أبوابِ الفقهِ نتعرضُ إلى مسائلِه الكبارِ، ونبينُ عيونَها ومسائلَها التي لها أهميةٌ، وهذه الآيةُ الكريمةُ على التحقيقِ فيها كأنها تشيرُ إلى الزكاةِ، وأن مَنْ لَمْ يُؤَدِّهَا أنه يُكْوَى بذلك المالِ الذي لم يُؤَدِّ زكاتَه كما سيأتِي في حديثِ مسلمٍ.
اعْلَمُوا أن المسلمينَ أَجْمَعُوا على وجوبِ زكاةِ الفضةِ والذهبِ، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم - لا خلافَ بَيْنَ العلماءِ مِنْ كافةِ المسلمينَ أنه - بَيَّنَ قَدْرَ نصابِ الفضةِ وقدرَ الواجبِ فيها، فَبَيَّنَ أن نصابَ الفضةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ شرعيٍّ، وأنها خمسةُ أواقٍ، والأوقيةُ: أربعونَ درهمًا، وأن قدرَ الواجبِ منها: ربعُ الْعُشْرِ (¬3)، هذا أمرٌ لا شَكَّ فيه، أن مِائَتَيْ درهمٍ ففيها زكاةٌ يخرج منها ربعُ عُشْرِهَا، وليس في أقلَّ من مِائَتَيْ درهم شرعي زكاة. والدرهمُ الشرعيُّ: قال علماءُ المالكيةِ بالتحديدِ: ينبغي أن يكونَ بوزنِ أهلِ مكةَ الأولِ المتعارفِ؛ لِمَا ثَبَتَ
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (12) من سورة الأعراف.
(¬2) نقله القرطبي (8/ 124)، والشيخ (رحمه الله) في الأضواء (2/ 434).
(¬3) انظر المدونة (1/ 242 - 244)، بدائع الصنائع (2/ 16 - 18)، المغني (4/ 209 - 213)، الأضواء (2/ 434 - 435).