كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (¬1) فهذا نَصٌّ صَحِيحٌ ثَابِتٌ في صحيحِ مسلمٍ أن الذهبَ تَجِبُ فيه الزكاةُ، وأن مَنْ لَمْ يُؤَدِّ زكاتَه يكوى به يومَ القيامةِ، وَيُصَفَّحُ له صفائحَ من نارٍ. إذا عرفتُم أن أصلَ زكاةِ الذهبِ واجبةٌ بالكتابِ والسنةِ والإجماعِ، فبيانُ تحديدِ النصابِ وقدرِ الْمُخْرَجِ منه كأنه بيانٌ لإجمالٍ من كتابِ الله، وقد جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يُبَيِّنُ هذا الإجمالَ ويوضحُه، وَيُعَيِّنُ قَدْرَ نصابِ الذهبِ، وقدرَ الواجبِ إخراجُه فيه، وهو ما رَوَاهُ أبو داودَ في سُنَنِهِ من طريقِ أبِي إسحاقَ عن عاصمِ بنِ ضمرةَ السلوليِّ والحارثِ الأعورِ الهمذانيِّ عن عَلِيِّ بنِ أبِي طالبٍ (رضي الله عنه) أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال ما معناه: «إِنَّ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ نِصْفَ دِينَارٍ» (¬2).
وهذا بِعَيْنِهِ تحديدُ النصابِ بعشرينَ دينارًا، وتحديدُ الواجبِ فيه بربعِ الْعُشْرِ، هذا الحديثُ رواه أبو داودَ وَسَكَتَ عنه. ومعروفٌ أن كثيرًا من العلماءِ نَاقَشُوا في هذا الحديثِ وَضَعَّفُوهُ بالحارثِ الأعورِ، وقالوا: وعاصمُ بنُ ضمرةَ السلوليُّ ضعيفٌ أيضًا، فَضَعَّفُوا هذا الحديثَ. ونحن نقول (¬3): إن هذا الحديثَ عِنْدَ المناقشةِ الصادقةِ ليسَ بضعيفٍ، وأن الحارثَ الأعورَ وإن كان ضعيفًا عند قومٍ -وإن وَثَّقَهُ
¬_________
(¬1) تقدم تخريجه عند تفسير الآية (37) من سورة الأنفال.
(¬2) أخرجه عبد الرزاق (4/ 89)، وأبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة. حديث رقم: (1557، 1558) (4/ 444، 447) مع تردد بعض رواته - عند أبي داود - في رفعه.
وأخرجه ابن أبي شيبة (3/ 119)، وأبو عبيد في الأموال ص369 موقوفًا على علي (رضي الله عنه).
وانظر: الاستذكار (9/ 21، 34)، التلخيص (2/ 173)، الإرواء (3/ 291).
(¬3) انظر: الأضواء (2/ 438 - 442).