كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
العلماءُ وفقهاءُ الأمصارِ والصحابةُ فَمَنْ بعدَهم، فذهب كثيرٌ من العلماءِ إلى أنه لا زكاةَ في الْحُلِيِّ المباحِ، منهم مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وأصحابُهما وَخَلْقٌ لاَ يُحْصَى من الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم. وذهب آخرونَ إلى أن الحليَّ المباحَ تجبُ فيه الزكاةُ، وبه قال أبو حنيفةَ وأصحابُه وخلقٌ من الصحابةِ فَمَنْ بعدَهم. واحتجَّ كُلٌّ بحججٍ، أما الذين قالوا: لا تَجِبُ فيه الزكاةُ فإنما احْتَجُّوا بحديثٍ جاء في ذلك وآثارٌ عن الصحابةِ، واحتجوا بوضعِ اللغةِ، أما الحديثُ الذي جاء في ذلك هو حديثٌ رواه البيهقيُّ في كتابِ معرفةِ السننِ والآثارِ، رواه من طريقِ عافيةَ بنِ أيوبَ عن الليثِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبيرِ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ (رضي الله عنهما) أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ» (¬1).
هذا الحديثُ قال الآخرونَ: لا يجوزُ الاحتجاجُ به؛ لأن عافيةَ بنَ أيوبَ مجهولٌ، وَغَالَى البيهقيُّ (رحمه الله) فقال: إن العملَ بحديثِ عافيةَ هذا من جنسِ العملِ بأحاديثِ الكذابينَ.
ونحن نقول: إن هذه مغالاةٌ منه (رحمه الله)؛ لأن عافيةَ بنَ أيوبَ لم يَقُلْ فيه أحدٌ إنه كذَّابٌ، وغايةُ ما في البابِ أن البيهقيَّ ظَنَّ أنه مجهولٌ، وقد وَثَّقَهُ غيرُ البيهقيِّ، فقد نقل ابنُ أبي حاتمٍ في كتابِ
¬_________
(¬1) البيهقي في المعرفة (3/ 298) وقال: «لا أصل له مرفوعًا، إنما يُروى عن جابر من قوله غير مرفوع» اهـ. وقد رواه الشافعي في الأم (2/ 41)، وعبد الرزاق (4/ 82)، وأبو عبيد في الأموال ص399، والدارقطني (2/ 107)، والبيهقي في السنن (4/ 138) موقوفًا على جابر (رضي الله عنه). وانظر: تنقيح التحقيق (2/ 1420)، نصب الراية (2/ 374)، الإرواء (3/ 294)، الأضواء (2/ 446).