كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
وَأَبَى الاحتجاجَ به جماعةٌ آخرونَ (¬1). وقياسُ العكسِ قد نَبَّهَ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الثابتِ في صحيحِ مسلمٍ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَالَ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ أَجْرٌ» قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أيأتِي أحدُنا شهوتَه وله فيها أَجْرٌ؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» (¬2) فهذا قياسُ عكسٍ، وهو إعطاءُ حكمٍ عكسَ حكمٍ لتعاكسِهما في العلةِ (¬3).
قالوا: وكذلك هنا في الْحُلِيِّ المباحِ، فإن العروضَ لا تجبُ الزكاةُ في عَيْنِهَا، فإذا كانت للتجارةِ وَجَبَتِ الزكاةُ في عينِها، عكسَ الذهبِ والفضةِ، فإن الزكاةَ في عينِها، فإذا انقطعَ عنها اسمُ النماءِ والتجارةِ صَارَتْ لاَ زكاةَ فيها، من قياسِ العكسِ.
ومن أمثلةِ قياسِ العكسِ عندَ المالكيةِ مِمَّا اختلفوا مع غيرِهم في القيءِ: هل ينقضُ الوضوءَ أو لا؟ قالوا: لا ينقضُ الوضوءَ كثيرُ القيءِ، قياسًا على قليلِ القيءِ، عكسَ البولِ، فإنه لَمَّا انتفضَ الوضوءُ بقليلِه انتقضَ بكثيرِه. ومن أمثلةِ قياسِ العكسِ عندَ الحنفيةِ قولُهم: لاَ قصاصَ في القتلِ بكبيرِ الْمُثَقَّلِ، كعمودِ الحديدِ والصخرةِ، قياسًا على صغيرِ الْمُثَقَّلِ، كالقضيبِ الذي لا قصاصَ في الضربِ به، عكسَ الْمُحَدَّدِ، فإنه لَمَّا وَجَبَ القصاصُ في قليلِه وجبَ في كثيرِه. هذا هو غالبُ حجةِ أهلِ هذا القولِ الذين قالوا: لا زكاةَ في الْحُلِيِّ.
¬_________
(¬1) انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 219)، وانظر الكلام على هذا القياس مع الأمثلة والتطبيقات المذكورة في الأضواء (2/ 449 - 450).
(¬2) مسلم في الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع معروف، حديت رقم: (1006) (2/ 697) من حديث أبي ذر (رضي الله عنه).
(¬3) انظر: الأضواء (2/ 449).