كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

ولا مَرَدَّ لِمَا أقولُ، أَخَّرْتُ عنكم تحريمَ المحرمِ إلى صفر (¬1). فيتبعونَه، فجاء الإسلامُ بتغييرِ هذا وَرَدِّ كُلِّ شيءٍ إلى مَحَلِّهِ.
وقد ذَكَرْنَا أن العلماءَ اختلفوا في الأشهرِ الحرمِ هل حرمتُها باقيةٌ إلى الآن؟ ويكونُ مَنْ نَسَأَ النسيءَ الآنَ ازدادَ كفرًا وَفَعَلَ كفرًا. أو هي منسوخةٌ ولا تحريمَ في الأشهرِ الحرمِ، وأن قتالَ العدوِّ يجوزُ في جميعِ الأشهرِ (¬2)؟ وَذَكَرْنَا أن المشهورَ عند العلماءِ الذي عليه الأكثرُ أنه قد نُسِخَ تحريمُ الأشهرِ الحرمِ، واستدلوا على ذلك بظواهرِ آياتٍ ليست صريحةً في ذلك، وَمِنْ أصرحِ ما استدلوا به هو ما ذَكَرْنَا من أنه ثَبَتَ في الصحيحينِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم حاصرَ ثَقِيفًا في غزوةِ الطائفِ بَعْضًا من ذِي القعدة (¬3). وهذا ثابتٌ في الصحيحينِ ثُبُوتًا لاَ مَطْعَنَ فيه. قالوا: لم تنسخ لما حَاصَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ثقيفًا في ذي القعدةِ وهو شهرٌ حَرَامٌ. وقد ذَكَرْنَا أن الذي كان يظهرُ لنا وننصرُه أن تحريمَ الأشهرِ الحرمِ قد نُسِخَ، وأن الذي تَحَقَّقْنَاهُ بعدَ ذلك وَصِرْنَا نجزمُ به أنها باقيةُ التحريمِ إلى الآن، ولم يُنْسَخْ تحريمُها، كما كان يُقْسِمُ عليه عطاءُ بنُ أبي رباحٍ (رحمه الله)، كان يحلفُ أن حرمتَها باقيةٌ (¬4). وَمِنْ أَصْرَحِ الأدلةِ في ذلك هو الحديثُ الذي أَشَرْنَا إليه؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ به يومَ النحرِ في حجةِ
¬_________
(¬1) أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (14/ 245). وذكره ابن هشام في السيرة ص56.
(¬2) مضى عند تفسير الآية (5) من سورة التوبة.
(¬3) السابق.
(¬4) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ ص 207، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (1/ 535)، وابن جرير (4/ 314).

الصفحة 482