كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
الوداعِ عامَ عَشْرٍ، ولم يَعِشْ بعد ذلك إلا نحوَ ثمانينَ يومًا، وقد صَرَّحَ فيه بأن ذلك الشهرَ حرامٌ، وذلك اليومَ حرامٌ، وذلك البلدَ حرامٌ (¬1)، ولم يَأْتِ بعدَ ذلك شيءٌ يَنْسَخُ هذا التحريمَ الثابتَ عنه (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه).
وهذه الآيةُ الكريمةُ قبلَ أن نشرعَ في تفسيرِها نشيرُ إلى أن فيها حُكْمًا يجبُ على كُلِّ مسلمٍ أن يعتبرَ به وينظرَه؛ لأن هؤلاء القومَ كفارٌ، كانوا يسجدونَ للأصنامِ، فَلَمَّا أَحَلَّ لهم رَجُلٌ شيئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَحَرَّمَ عليهم شيئًا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وهم يعلمونَ أن اللَّهَ حرَّم تلك الأشهرَ الحُرمَ، ولا يَشُكُّونَ في ذلك، وأن هذا الرجلَ الكنانيَّ أحلَّ لهم ما حرَّمه اللَّهُ، وحرَّم عليهم ما أحلَّه اللَّهُ، فاتبعوا تحريمَ هذا الإنسانِ، فَصَرَّحَ اللَّهُ بأن هذا كفرٌ جديدٌ ازْدَادُوهُ إلى كفرِهم الأولِ. فهذه الآيةُ الكريمةُ من سورةِ براءة مِنْ أَصْرَحِ النصوصِ القرآنيةِ في أن كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ نظامًا غيرَ نظامِ اللَّهِ، وتشريعًا غيرَ تشريعِ اللَّهِ، وقانونًا غيرَ قانونِ اللَّهِ، أنه كافرٌ بالله، إن كان يزعمُ الإيمانَ فقد كَفَرَ، وإن كان كافرًا فقد ازْدَادَ كُفْرًا جديدًا إلى كفرِه الأولِ. والآياتُ الدالةُ على هذا المعنَى لاَ تكادُ تُحْصِيهَا في هذا المصحفِ الكريمِ، الذي هو أعظمُ كتابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ من السماءِ إلى الأرضِ، وهو آخِرُ كتابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ على أكرمِ نَبِيٍّ، وآخِرُ نَبِيٍّ جَمَعَ فيه له علومُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ. وسنذكرُ لكم طرفًا من ذلك كما ذَكَرْنَاهُ قبلَ هذا مرارًا (¬2) نُبَيِّنُ به أن الحلالَ هو ما أحلَّه اللَّهُ، والحرامَ هو ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينَ هو ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأن كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ نظامًا وتشريعًا وقانونًا - ولو سَمَّاهُ ما سَمَّاهُ - غيرَ ما أَنْزَلَهُ اللَّهُ
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (5) من هذه السورة.
(¬2) مضى عند تفسير الآية (57) من سورة الأنعام.