كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
في وحيِه على نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم أنه كافرٌ بذلك، فإن كان كافرًا قَبْلَهُ ازْدَادَ كُفْرًا جديدًا إلى كفرِه الأولِ، وإن كان يزعمُ الإيمانَ فقد جاءَ بما يَكْفُرُ به. وَمِنْ أصرحِ الأدلةِ في هذا: المناظرةُ العظيمةُ المشهورةُ التي وَقَعَتْ بينَ الكفارِ والمسلمينَ في حُكْمٍ مِنْ أحكامِ الحلالِ والحرامِ، فالمسلمونَ يقولونَ: إن هذا الأمرَ حرامٌ. ويستدلونَ بنصٍّ من نصوصِ الوحيِ.
وحزبُ الشيطانِ وتلامذتُه وأتباعُه يقولونَ: إن هذا الحكمَ حلالٌ. ويستدلونَ على ذلك بفلسفةٍ من وَحْيِ الشيطانِ. ويأتِي كلٌّ منهم بدليلِه، فلما تَحَاجُّوا وتخاصموا وحصلَ الجدالُ بينَهم في ذلك أَفْتَى اللَّهُ تعالى بنفسِه فتوى سماويةً تُتْلَى علينا قُرْآنًا في سورةِ الأنعامِ، وإيضاحُ هذا: أن الشيطانَ - لعنَه اللَّهُ - جاء كفارُ قريشٍ وقال لهم: سَلُوا محمدًا صلى الله عليه وسلم عن الشاةِ تُصْبِحُ ميتةً، مَنْ هُوَ الذي قَتَلَهَا؟ فأجابهم: اللَّهُ قَتَلَهَا. فقالوا: إِذَنْ ما ذبحتموه بأيديكم حلالٌ، وما ذَبَحَهُ اللَّهُ بيدِه الكريمةِ بسكينٍ من ذَهَبٍ تقولونَ: هو حرامٌ، فأنتم إِذَنْ أحسنُ من الله!! فأنزلَ اللَّهُ في ذلك بإجماعِ العلماءِ في سورةِ الأنعامِ هذه الفتوى السماويةَ بعد أن بَيَّنَ اللَّهُ خصامَ المتخاصمينَ فيها فقال: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الميتة. وإن زعم حزبُ الشيطانِ أنها ذبيحةُ اللَّهِ، وأن ما قَتَلَهُ اللَّهُ أحلُّ مما قتله الناسُ. ثم قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} الضميرُ في قولِه: {إِنَّهُ} راجعٌ إلى المصدرِ الكامنِ في جوفِ الفعلِ الصناعيِّ في قولِه: {تَأْكُلُوا} أي: وإنه أي: الأكلُ من الميتةِ {لَفِسْقٌ} أي: خروجٌ عن طاعةِ اللَّهِ، وإن زَعَمَ حزبُ الشيطانِ أنها ذبيحةُ اللَّهِ، وأن ما قَتَلَهُ اللَّهُ أَحَلُّ وَأَطْهَرُ مما قَتَلَهُ الناسُ.
ثم قال: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} {لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ} وحي الشيطانِ {لِيُجَادِلُوكُمْ} بالوحيِ