كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

الشيطانيِّ، وهو قولُهم: ما ذبحتُموه حلالٌ، وما قتلَه اللَّهُ حرامٌ، فأنتم إذًا أحسنُ من اللَّهِ!! ثم أَفْتَى اللَّهُ الفتوى السماويةَ التي تَتَرَدَّدُ في آذانِ الخلقِ مساءً وصباحًا بقولِه: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: آية 121] وإن أطعتُم أتباعَ الشيطانِ في تحليلِ ما حرَّمه اللَّهُ {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} بالله شِرْكًا أكبرَ، كما قال في هؤلاءِ {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: آية 37] وهذا الشركُ شركٌ أكبرُ مُخْرِجٌ عن الملةِ؛ لأنه شركُ طاعةٍ، وشركُ الطاعةِ شركٌ في الْحُكْمِ، والشركُ في الحكمِ كالشركِ في العبادةِ لاَ فرقَ بينهما الْبَتَّةَ؛ لأن اللَّهَ هو الملكُ الجبارُ العظيمُ الأعظمُ لاَ يرضَى أن يكونَ معه شريكٌ في عبادتِه ولا أن يكونَ معه شريكٌ في حكمِه سبحانَه (جلَّ وعلا) أن يكونَ له شريكٌ في عبادتِه أو شريكٌ في حكمِه، وقد بَيَّنَ هذين الأمرين في سورةٍ واحدةٍ من كتابِه وهي سورةُ الكهفِ، فقال في الإشراكِ به في عبادتِه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: آية 110] وقال في الإشراكِ به في حُكْمِهِ: {لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف: آية 26] فَمَنِ اتَّخَذَ تشريعًا غيرَ تشريعِ اللَّهِ، واتبع نظامًا غيرَ نظامِ اللَّهِ، وقانونًا غيرَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ - سواءً سَمَّاهُ نظامًا أو دستورًا، أو سَمَّاهُ ما سَمَّاهُ - هو كافرٌ بالله؛ لأنه يُقَدِّمُ ما شَرَعَهُ الشيطانُ على ألسنةِ أوليائِه مما جُمِعَ من زبالاتِ أذهانِ الكفرةِ على نورِ السماءِ الذي أَنْزَلَهُ اللَّهُ (جلَّ وعلا) على رُسُلِهِ لِيُسْتَضَاءَ به في أرضِه، وَتُنْشَرَ به عدالتُه وطمأنينتُه ورخاؤُه في الأرضِ.
وهذا مِمَّا لا نزاعَ فيه، وهذا الشركُ الذي هو شركُ اتباعٍ، اتباعِ

الصفحة 485