كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
قانونٍ ونظامٍ وتشريعٍ هو الذي يُوَبِّخُ اللَّهُ مرتكبَه يومَ القيامةِ على رؤوسِ الأشهادِ في سورةِ يَس في قولِه تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ... } [يس: آية 60] ما عَبَدُوا الشيطانَ بأن سجدوا للشيطانِ، ولا ركعوا للشيطانِ، ولا صاموا له، ولا صلوا، وإنما عبادتُهم للشيطانِ هي اتباعُ مَا سَنَّ لهم من النظمِ والقوانين من الكفرِ بالله ومعاصِي اللَّهِ. ثم قال: {وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا} [يس: الآيتان 61، 62] أي: خلائقَ كثيرةً لاَ تُحْصَى.
ثم وَبَّخَ عقولَهم فقال: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: آية 62] ثم ذَكَرَ المصيرَ النهائيَّ للذي كان يتبعُ نظامَ إبليسَ، وقانونَ الشيطانِ في دارِ الدنيا ذَكَرَ مصيرَه النهائيَّ في قولِه: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)} الآيات ... [يس: الآيتان 63، 64]. وهذا هو معنَى قولِ إبراهيمَ: {يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} [مريم: آية 44] أي: لا تَتَّبِعْ ما شَرَعَ لكَ الشيطانُ وَسَنَّهُ من الكفرِ باللَّه، ومعاصِي اللَّهِ، وهو معنَى قولِه: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا} [النساء: آية 117] أي: ما يدعونَ إلا الشيطانَ، وهو دعاءُ عبادةٍ باتباعِ نظامِه وتشريعِه. وهو أصحُّ الْوَجْهَيْنِ في قولِه (جلَّ وعلا) في الملائكةِ: {أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} [سبأ: آية 40] لأن الملائكةَ قالوا: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} [سبأ: آية 41] أي: يتبعونَ الشياطينَ ويعبدونَهم باقتفاءِ ما يَسُنُّونَ لهم من القوانينَ والنظمِ، وهذا أَمْرٌ لاَ نزاعَ فيه، فَكُلُّ مَنْ يتبعُ نظامَ أحدٍ وتشريعِ أحدٍ وقانونَه فهو متخذُه رَبًّا؛ ولذا جاء في الحديثِ المشهورِ عن عَدِيِّ بنِ حاتمٍ (رضي الله عنه) أنه لَمَّا جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم وكان في