كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
عنقِ عديٍّ صليبٌ فقال له النبيُّ: «يَا عَدِيُّ أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ» وصادفَه يقرأُ سورةَ براءة هذه، سَمِعَهُ يقولُ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: آية 31] وكان عَدِيٌّ نَصْرَانِيًّا في الجاهليةِ فقال: ما كنا نتخذُهم أربابًا. فأجابَه النبيُّ بما معناه: أَلَمْ يَحِلُّوا لكم ما حَرَّمَ اللَّهُ ويحرِّموا عليكم ما أحلَّ اللَّهُ فتتبعوهم؟ قال: بلى. قال: تلك عبادتُهم، وبذلك اتخذتُموهم أربابًا (¬1).
فهذه الآياتُ الكريمةُ تدلُّ على أن كُلَّ مَنْ يتبعُ نظامًا غيرَ نظامِ اللَّهِ وإن سَمَّاهُ قانونًا أو دستورًا أو سَمَّاهُ ما سَمَّاهُ فهو كافرٌ بالله، ولو كان كافرًا قبلَ ذلك وارتكبَ شيئًا يعلم أن اللَّهَ حَرَّمَهُ فَحَلَّلَ ما يعلمُ أن اللَّهَ حَرَّمَهُ، أو حَرَّمَ ما يعلمُ أن الله حَلَّلَهُ، فإنه ولو كان كافرًا قبلَ هذا يزدادُ بذلك كُفْرًا جديدًا إلى كُفْرِهِ الأولِ، كما قال هنا: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: آية 37] وهذا معروفٌ لا نزاعَ فيه بينَ العلماءِ، فالحلالُ هو ما أَحَلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ هو ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، والدينُ هو ما شَرَعَهُ اللَّهُ، ولا تشريعَ إلا لِلَّهِ؛ لأن التشريعَ والأمرَ والنهيَ لا يكونُ إلا للسلطةِ التي ليس فوقَها شيءٌ، وَاللَّهُ (جلَّ وعلا) هو خالقُ هذا الخلقِ، وخالقُ النِّعَمِ التي أَنْعَمَ بها عليه، فهو الْمَلِكُ فَلاَ يَرْضَى أن يأمرَ فيه غيرُه وينهى، بل الأمرُ له وحدَه، والنهيُ له وحدَه، والتشريعُ له وحدَه، فَكُلُّ مُشَرِّعٍ دُونَهُ ضَالٌّ، وَكُلُّ مُتَّبِعٍ تشريعًا غيرَ تشريعِه فهو كافرٌ به - جلَّ وعلا - وقد بَيَّنَ اللَّهُ (جلَّ وعلا) في آياتٍ كثيرةٍ هذا المعنَى، فكانَ قومٌ في زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَرَادُوا أن يَتَحَاكَمُوا إلى غيرِ شرعِ اللَّهِ، وَادَّعُوا أنهم مؤمنونَ فعجَّب اللَّهُ نَبِيَّهُ من كَذِبِ دعواهم، وأن دعواهم الإيمانَ لا تَصِحُّ بوجهٍ من الوجوهِ مع إرادتِهم
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (57) من سورة الأنعام.