كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
التحاكمَ إلى غيرِ اللَّهِ، وذلك في قولِه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا (60)} [النساء: آية 60] فَعَجَّبَهُ من دعواهم الإيمانَ وهم يريدونَ التحاكمَ إلى غيرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وهذا لا يَخْفَى، وَأَقْسَمَ اللَّهُ (جل وعلا) في آيةٍ من كتابِه أنه لا يؤمنُ أحدٌ حتى يكونَ مُتَّبِعًا في قرارةِ نفسِه لِمَا جاءَ به
سيدُ الرسلِ محمدٌ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه) وذلك بقولِه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النساء: آية 65] هذا قسمٌ من اللَّهِ أَقْسَمَ به {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} فما ظَنُّكُمْ بالذين يُحَكِّمُونَ فيما شَجَرَ بينَهم قانونَ نابليونَ وما جرى بعدَه من زبالاتِ أذهانِ الكفَرَةِ؟ أَلاَ تَرَوْنَ أن اللَّهَ أَقْسَمَ في هذه الآيةِ من سورةِ النساءِ أنهم لا يؤمنونَ؟ وَمَنْ أصدقُ من اللَّه قِيلاً؟ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حديثًا؟ فعلى كُلِّ مسلمٍ أن يعلمَ أن الحاكمَ هو اللَّهُ، وأن الحكمَ لله وحدَه، وأنه لا يُحلُّ إلا اللَّهُ، ولا يُحَرِّمُ إلا اللَّهُ، فلا حلالَ إلا ما أحلَّه اللَّهُ، ولا حرامَ إلا ما حَرَّمَهُ اللَّهُ على لسانِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، ولا دينَ إلا ما شَرَعَهُ اللَّهُ.
فما عَمَّتْ به البلوى من انصرافِ جُلِّ مَنْ في المعمورةِ عن نورِ السماءِ الذي أَنْزَلَهُ اللَّهُ على سيدِ خلقِه وأعظمِ رُسُلِهِ، موضحًا له في أعظمِ كتابٍ أَنْزَلَهُ من سمائه إلى أرضه، منصرفينَ عن هذا مع وضوحِ أدلتِه وقيامِ براهينِه وصيانتِه لمقوماتِ الناسِ؛ لأن القرآنَ العظيمَ والسنَّةَ النبويةَ المبينةَ له جاء فيهما غايةُ الحفاظِ على جميعِ مقوماتِ الإنسانِ في دارِ الدنيا والآخرةِ، ولا سِيَّمَا الجواهر الستة التي يدورُ عليها نظامُ العالَم في الدنيا ونظامُ العدالةِ