كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ (71)} إلى آخِرِ الآياتِ [القصص: آية 71]. فالحكمُ لاَ يكونُ إلا للعظيمِ الأعظمِ الذي هو الخالقُ لكلِّ شيءٍ، الرازقُ لكلِّ شيءٍ، الفاعلُ ما يشاءُ في كلِّ شيءٍ، هذا الذي يُتَّبَعُ تشريعُه ويُحَلُّ ما أَحَلَّ، ويحرَّم ما حَرَّمَ، أما القوانينُ والنظمُ الملتقطةُ من زبالاتِ أذهانِ الكفَرَةِ الفجَرَةِ فلاَ يَتَّبِعُهَا ويعتقدُها وَيُحَكِّمُهَا في أموالِ المجتمعِ وعقولِه وأنسابِه وأديانِه وأعراضِه إلا مَنْ أَعْمَى اللَّهُ بصائرَهم، وَمَنْ أَعْمَى اللَّهُ بصيرتَه فَلاَ حيلةَ له {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور: آية 40] {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ... } [الرعد: آية 19] لاَ ليسَ كمثلِه.
ومعنى الآيةِ الكريمةِ: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: آية 37] اختلفَ العلماءُ في تحقيقِ كلمةِ (النسيءِ) هنا (¬1) فقالَ بعضُهم: هو مِنْ (نسأ) الثلاثيةِ وهو (فَعِيلٌ) بمعنَى مفعولٍ، فالعربُ تقولُ: نساه ينسؤه نَسْئًا، إذا أَخَّرَهُ. والعربُ تأتِي بـ (الفعيل) مكانَ (المفعولِ) كما يقولونَ: قتيلٌ مكانَ مقتولٍ، وجريحٌ مكانَ مجروحٍ، ونسيءٌ مكانَ منسوءٍ، أي: مُؤَخَّرٌ. فَعَلَى هذا القولِ فالنسيءُ (فعيلٌ) بمعنَى (مفعولٍ) وكقتيلٍ بمعنَى مقتولٍ، وجريحٍ بمعنَى مجروحٍ. وعلى هذا فهو مِنْ (نَسَأَ) الثلاثيةِ.
والقولُ الثانِي: أن النسيءَ اسمُ مصدرِ (أَنْسَأَ) الرباعيةِ على وزنِ (أَفْعَل) لأَنَّ العربَ تقولُ: أَنْسَأَ الأمرَ يُنْسِئُهُ إِنْسَاءً وَنَسِيئَةً. فالإنساءُ مصدرٌ قياسيٌّ، والنسيءُ مصدرُ (أَنْسَأَ) مصدرًا سماعيًّا، كما جاء
¬_________
(¬1) انظر: ابن جرير (14/ 243)، القرطبي (8/ 136)، الدر المصون (6/ 46).
الصفحة 491