كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
النذيرُ مصدرًا لأَنْذَرَ، والنكيرُ مصدرًا لأَنْكَرَ، والنسيءُ مصدرًا لأَنْسَأَ، بمعنَى: أَخَّرَ.
فعلى أن النسيءَ اسمُ مصدرٍ بمعنَى الإِنْسَاءِ فلا إشكالَ؛ لأن الإنساءَ فعلُ الفاعلِ، وعلى هذا فلا إشكالَ في قولِه: {زِيَادَةٌ} أي: لأَنَّ تأخيرَ الشهرِ الحرامِ وَإِنْسَاءَهُ من نقلِه من المحرمِ وتأخيرَه منه إلى صَفَرٍ. هذا التأخيرُ والإنساءُ زيادةٌ في الكفرِ، لأنه أَحَلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ وهو المحرَّم، وَحَرَّمَ ما أحلَّه اللَّهُ وهو صَفَرٌ.
أما على القولِ بأن (النسيءَ) (فعيل) بمعنَى (مفعولٍ) وأنه من (نَسَأَ) الثلاثيةِ، وأن النسيءَ بمعنَى الزمانِ الْمَنْسُوءِ، فيكونُ في قولِه: {زِيَادَةٌ} إشكالٌ؛ لأن نفسَ الشهرِ المنسوءِ الْمُؤَخَّرِ ليس هو عَيْنَ الزيادةِ؛ وَلِذَا لا بُدَّ فِي هذا المعنَى من تقديرِ مضافٍ، أي: إنما نَسْءُ النسيءِ زيادةٌ في الكفرِ. أو إنما النسيءُ ذُو زيادةٍ، أي صاحبُ زيادةٍ في الكفرِ حَاصِلَةٌ فيه. فَاتَّضَحَ من هذا أنه على أن النسيءَ اسمُ مصدرٍ من (أَنْسَأَ) فلا تقديرَ في قولِه: {زِيَادَةٌ}.
وعلى أنه (فعيلٌ) بمعنَى (مفعولٍ) مِنْ (نَسَأَ) الثلاثيةِ فلا بدَّ من تقديرِ مضافٍ إما قبلَ الزيادةِ أو قبلَ النسيءِ، فتقول: نَسْءُ المنسوءِ زيادةٌ، أي: تأخيرُ الشهرِ زيادةٌ في الكفرِ. أو تقولُ: المنسوءُ ذُو زيادةٍ، أي: صاحبُ زيادةٍ في الكفرِ لوقوعِها بسببِه. وهذا معنَى قولِه: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} لأنهم كانوا كفارًا، فلما أحلُّوا مُحَرَّمًا وهم يعلمونَ أن اللَّهَ حَرَّمَهُ، وحرموا صفرًا وهم يعلمونَ أن اللَّهَ ما حَرَّمَهُ، صاروا بهذا التشريعِ مُرْتَكِبِينَ كُفْرًا جديدًا كما بَيَّنَّا، ازْدَادُوا بهذا الكفرِ كُفْرًا جديدًا إلى كُفْرِهِم الأولِ.
{يَضِلُّ به الذين كفروا} و {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} معناه: