كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

يضلهم الشيطانُ كما يأتِي في قولِه: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ}.
{يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} قد أَشَرْنَا أن هذه الآيةَ الكريمةَ من سورةِ براءة والحديثَ الذي جاء في مضمونِها: أَنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ .. الحديثَ (¬1). غَلِطَ فيه خلقٌ من كبارِ المفسرينَ، وَمَنْ تَكَلَّمُوا على الحديثِ، وأن الصورةَ الحقيقيةَ التي قالت بها جماعةٌ من السلفِ (¬2) - والقرآنُ يشهدُ لصحةِ قولِهم - أنها التي كان يَعْمَلُهَا الكنانيون القَلَمَّس وَمَنْ بعدَه، وكان شاعرُهم يفتخرُ بذلك ويقولُ شاعرُهم وهو عميرُ بنُ قيسٍ المعروفُ بـ (جذل الطَّعان) (¬3):
لَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي ... كِرَامُ النَّاسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامَا ...
أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ ... شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا ...
وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ يُدْرَكْ بِوِتْرٍ ... وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ يُعْلَكْ لِجَامَا

أنهم كانوا يأتون جنادةَ بنَ عوفٍ إذا صَدَرُوا مِنْ مِنًى، فيقومُ ويقولُ: أنا الذي لاَ أُجَابُ وَلاَ أُعَابُ، ولا مردَّ لِمَا أقولُ، هذا العام قد
¬_________
(¬1) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق باب: ما جاء في سبع أرضين .. ، رقم (3197) (6/ 293). وانظر الأحاديث: (67، 105، 741، 4406، 4662، 5550، 7078، 7447). وأخرجه مسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، رقم (1679) (3/ 1305). وهو جزء من حديث خطبة حجة الوداع.
(¬2) انظر: ابن جرير (14/ 245)، القرطبي (8/ 137)، ابن كثير (2/ 354).
(¬3) الأبيات ذكرها ابن هشام ص56، والبيت الثالث عند الشيخ جعله ابن هشام ثانيًا، ولفظه عنده:
فأي الناس فاتونا بوتر ... وأي الناس لم نعلك لجاما

وقد مضى البيت الثاني منها عند تفسير الآية (3) من سورة الأعراف.

الصفحة 493