كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
أخرتُ عنكم حرمةَ المحرمِ إلى صفرٍ فَقَاتِلُوا في المحرمِ، ثم حَرِّمُوا مكانَه صَفَرًا ويأتِي في العامِ القابلِ ويقولُ مثل مقالتِه: أنا الذي لاَ أُجَابُ ولاَ أُعَابُ، ولا مردَّ لِمَا أقولُ، قد حَرَّمْتُ هذا العامَ مُحَرَّمًا وَأَبَحْتُ صَفَرًا. كما هي العادةُ، فيحلُّ لهم المحرَّم عامًا ويحرِّم مكانَه صَفَرًا، ويحرِّم المحرَّم عامًا ويتركُ الأشهرَ على حَالِهَا (¬1). وهذا مُوَافِقٌ لقولِه: {يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} وموافقٌ لقولِه: {لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: آية 37] أما الصورُ الأخرى فلا تتفقُ مع الآيةِ.
أما الذين زَعَمُوا أنه يقولُ لهم في بعضِ السنينَ: حللتُ لكم المحرمَ وَصَفَرًا معًا فَهُمَا صفرانِ، لا محرمَ في هذه السنةِ، وإنما فيها صفرانِ. فيحلُّ لهم المحرمَ ويتركُ صفرًا على حلالِه الأصليِّ، وفي السنةِ القابلةِ يقولُ: هُمَا مُحَرَّمَانِ، المحرمُ الذي كان حرامًا، وصفرٌ بدلَ المحرمِ الذي حَرَّمْنَاهُ في السنةِ القابلةِ. فهذا وإن قال به جماعةٌ كبيرةٌ من العلماءِ (¬2) فهو لاَ يصحُّ؛ لأنهم على هذا القولِ في إحدى السَّنَتَيْنِ ما حرَّموا إلا ثلاثةَ أشهرٍ، والأشهرُ الحرمُ أربعةٌ، وفي السنةِ الثانيةِ حَرَّمُوا خمسةَ أشهرٍ، فلم يُوَاطِئُوا ما حَرَّمَ اللَّهُ لاَ في السنةِ الأُولَى ولا في السنةِ الثانيةِ. وكذلك قولُ مَنْ قَالَ: إنهم كانوا يُسَمُّونَ صَفَرًا مُحَرَّمًا، ويسمونَ ما بعد صفرٍ صفرًا، وكلُّ شهرٍ يسمونَه باسمِ ما بعدَه، وَيَحُجُّونَ في كُلِّ شهرٍ عَامَيْنِ، وأن حَجَّةَ أبِي بكرٍ عامَ تسعٍ، وَافَقَتْ ذَا القعدةِ، وأن أبا بكر حَجَّ بالناسِ عامَ ذِي القعدةِ، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَجَّ بالناسِ حجَّة موافِقة ذَا الحجةِ، وأن هذا معنَى
¬_________
(¬1) تقدم عند تفسير الآية (3) من سورة الأعراف.
(¬2) انظر: ابن جرير (14/ 249)، القرطبي (8/ 139)، ابن كثير (2/ 356).