كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

استدارةِ الزمانِ كهيئتِه يومَ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ (¬1).
فهذا لاَ شَكَّ في أنه فَاسِدٌ باطلٌ؛ لأن اللَّهَ صَرَّحَ في كتابِه بقولِه في حجةِ أبِي بكرٍ بالناسِ عامَ تِسْعٍ: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة: آية 3] وقد أذن ببراءة عَلِيٍّ (رضي الله عنه) وَمَنْ معَه يومَ الحجِّ الأكبرِ، ومعلومٌ أن اللَّهَ لاَ يُنْزِلُ في كتابِه يومَ الحجِّ الأكبرِ يريدُ أنه مِنْ ذي القعدةِ! فهذا من الباطلِ الذي لاَ شَكَّ فيه، فهذا كُلُّهُ لاَ يصحُّ، فالتحقيقُ أن هذه الصورةَ التي نَزَلَ بها القرآنُ التي كان يفعلُ لهم الكنانيونَ أنهم سَنَةً يُحَرِّمُونَ صَفَرًا ويحلونَ المحرَّم مكانَه، وفي سَنَةٍ يُبْقُونَ الأمرَ على حالِه فيحلونَ المحرَّم سَنَةً ويحرِّمونه سنةً ويواطئوا بذلك - يوافقوا - عدةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، وهي أربعةُ أشهرٍ من السنةِ. وهذا معنَى قولِه: {يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا}.
العامُ: السنةُ، والألفُ التي في مكانِ عينِه منقلبةٌ عن واوٍ، فَيُكَسَّرُ على (أعوامٍ) فعينُه واوٌ.
{لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} [التوبة: آية 37] المواطأةُ: الموافقةُ، أي لِيُوَافِقُوا عدةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ؛ لأن اللَّهَ حَرَّمَ أربعةَ أشهرٍ من السنةِ فَهُمْ يُحَرِّمُونَ قدرَ ما حَرَّمَ اللَّهُ إلا أنهم يعصونَ اللَّهَ بتغييرِه عن محلِّه، فالعدةُ هي العدةُ وَلَكِنَّ عينَ الزمانِ ليست هي عينَ الزمانِ، فهم يصيبونَ في العدةِ ويخطئونَ في تعيينِ المعدودِ، ومن هنا كانوا عصاةً بذلك. هذا هو الصحيحُ في معنَى الآيةِ الذي لا إشكالَ فيه، والصورُ الأُخَرُ فيها نظرٌ، ليست بصوابٍ، وإن قال بها مَنْ قال بها من
¬_________
(¬1) انظر: ابن جرير (14/ 248)، القرطبي (8/ 137)، ابن كثير (2/ 356 - 357).

الصفحة 495