كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

السؤالُ أجابَ عنه جماعةٌ من العلماءِ بما مُلَخَّصُهُ في نُقْطَتَيْنِ وَهُمَا (¬1):
أن حصارَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لثقيفٍ كان ابتداؤُه في شهرٍ حلالٍ، والدوامُ قد يغتفرُ فيه ما لا يغتفرُ في الابتداءِ؛ لأن مِنَ المسائلِ ما يُحَرَّمُ فيها الابتداءُ ولا يحرمُ فيها الدوامُ، ألا تَرَوْنَ أن الرجلَ الْمُحْرِمَ لا يجوزُ له أن يبتدئَ تزويجًا، ولو تزوجَ قبل إحرامِه ثم أَحْرَمَ لم يَنْفَسِخْ تزويجُه بهذا الإحرامِ الطارئِ على تزويجِه، وكذلك الإحرامُ يُمْنَعُ ابتداءُ الطِّيبِ فيه، فلو كان مُتَطَيِّبًا قبلَه، لاَ يمنعُ الدوامَ على الطِّيبِ الأولِ الإحرامُ عندَ جماهيرِ العلماءِ، فالشاهدُ أن الدوامَ في بعضِ الصورِ قد يُغْتَفَرُ فيه ما لا يُغتفر في الابتداءِ، وفي هذه الصورةِ يتأكدُ بشيءٍ آخَرَ وهو ما قَدَّمْنَا في كلامِنا على غزوةِ حُنَيْنٍ (¬2) في تفسيرِ آيةِ: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة: آية 25] أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا فَتَحَ مكةَ في رمضانَ عامَ ثمانٍ، ولم يكن يريدُ أن يغزوَ هوازنَ، سَمِعَ أن مالكَ بنَ عوفٍ النصريَّ، سيدَ هوازنَ جَمَعَ مَنْ أَطَاعَهُ من هوازنَ وفيهم ثقيفٌ؛ لأن ثقيفًا من هوازنَ؛ لأن ثقيفَ بْنَ منبهِ بنِ بكرِ بنِ هوازنَ بنِ منصورٍ، وأنهم تَجَمَّعُوا له يريدونَ حربَه، فَهُمُ الذينَ بدؤوا بإرادةِ الحربِ، ولم يَكُنِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَاصِدًا حربَهم في ذلك الوقتِ قبلَ ذلك، فَلَمَّا هَزَمَهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ حنينٍ واستفاءَ أموالَهم، رَجَعَ فَلُّهُمْ (والفَلُّ بقيةُ المنهزمينَ) فَتَحَصَّنُوا بحصنِ الطائفِ.
فحصارُه صلى الله عليه وسلم للطائفِ ليستنزلَ الذين كانوا يقاتلونَه في غزوةِ حنينٍ من تمامِ غزوةِ حنينٍ، وكانوا هم
¬_________
(¬1) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 356).
(¬2) مضى عند تفسير الآية (45) من سورة الأنعام.

الصفحة 498