كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

البادئين بالقتالِ، والأشهرُ الْحُرُمُ إذا بُدِئَ المسلمونَ فيها بالقتالِ قَاتَلُوا، كما تَقَدَّمَ في قولِه: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: آية 194] وكما قَدَّمْنَاهُ في الكلامِ على قولِه تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [البقرة: آية 191] فهذا هو الذي أَجَابَ به العلماءُ عن حصارِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لثقيفٍ على القولِ ببقاءِ حرمةِ الأشهرِ الْحُرُمِ.
يقول اللَّهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} [التوبة: الآيتان 38، 39].
وقولُه تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} [التوبة: آية 38].
أَجْمَعَ كافةُ العلماءِ، أن هذه الآيةَ الكريمةَ من سورة براءة نَزَلَتْ لما اسْتَنْفَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسلمينَ إلى غزوِ الرومِ (¬1)، وفي غزوةِ تبوك، كان ذلك في ساعةِ العسرةِ، كما يأتِي منصوصًا في هذه السورةِ الكريمةِ، وكان وقتَ شدةِ الحرِّ، والأرضُ في غايةِ الجدبِ، وكان في المدينةِ النخيلُ حين أَزْهَتْ ثمرتُه، وطابت الظلالُ والمياهُ الباردةُ، فَرَكَنُوا إلى الدعةِ، وإلى نعيمِ الدنيا في
¬_________
(¬1) انظر: ابن جرير (14/ 251)، القرطبي (8/ 140)، ابن كثير (2/ 357).

الصفحة 499