كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
الظلِّ والثمارِ والمياهِ والظلالِ الباردةِ، فَرَكَنُوا إلى هذا؛ لأن العدوَّ قَوِيٌّ وكثيرُ العددِ جِدًّا، والشقةُ بعيدةٌ، والزمانُ حَارٌّ؛ ولذا مَنْ تَكَاسَلُوا منهم وَبَّخَهُمُ اللَّهُ هذا التوبيخَ العظيمَ في هذه الآيةِ الكريمةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ} أي شيء ثبت لكم يقتضي نُكُولَكُمْ عن الغزوِ واختيارَكم للدعةِ والراحةِ على مرضاةِ اللَّهِ وإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ؟ {مَا لَكُمْ} أي شيء ثبتَ لكم. {إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا} أي: إذا قال لكم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه: {انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} انْفِرُوا معناه: تَهَيَّؤُوا خارجينَ متحركينَ لحربِ الرومِ {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لأَنَّ القتالَ والجهادَ في سبيلِ اللَّهِ هو أعظمُ أنواعِ سبيلِ اللَّهِ (جلَّ وعلا).
{اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} أصلُه: (تَثَاقَلْتُمْ) والمقررُ في علمِ العربيةِ: أن كُلَّ ماضٍ على وزنِ (تَفَاعَلَ) أو على وزن (تَفَعَّلَ) إذا تَقَارَبَتْ حروفُه الأُولَى، يكثرُ في اللغةِ العربيةِ إدغامُ بعضِها في بعضٍ واجتلابُ همزةِ الوصلِ لإمكانِ النطقِ بالساكنِ (¬1)، وهذا يكثرُ في القرآنِ في (تَفَاعَلَ) و (تَفَعَّلَ)، كقولِه هنا في (تفاعل): {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ} أصلُه: (تثاقلتم)، {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} [البقرة: آية 72] أصلُه: (تَدَارَأْتُمْ)، {حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا} [الأعراف: آية 38] أصلُه: (تَدَارَكُوا)، {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ} [النمل: آية 66] أصلُه: (تَدَارَكَ علمُهم). وكذلك هو فِي (فَعَّلَ) كقولِه (جلَّ وعلا): {وَازَّيَّنَتْ} [يونس: آية 24] أصلُه: (تَزَيَّنَتْ) من (تَفَعَّلَ)، {قَالُوا اطَّيَّرْنَا} [النمل: آية 47] أصلُه: (تَطَيَّرْنَا). وهذا أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ،
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (72) من سورة البقرة، وانظر: ابن جرير (14/ 252)، الدر المصون (6/ 49).
الصفحة 500