كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

وقولُه: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} الهمزةُ همزةُ إنكارٍ؛ لأَنَّ أَسْفَهَ الناسِ وأقلَّهم عقلاً هو مَنْ يرضى بالدنيا بدلاً من الآخرةِ؛ لأنه يعتاضُ القليلَ التافهَ من الكثيرِ الذي لا يُقَدِّرُ قدرَه إلا اللَّهُ، وفي هذا وَبَّخَهُمْ؛ لأنه نَقْضٌ ضِمْنِيٌّ للعقدِ الذي عَقَدَهُ معهم؛ لأن اللَّهَ (جلَّ وعلا) عقد عُقْدَةً بينَه وبينَ عبادِه المؤمنينَ وَأَبْرَمَهَا، وهو أنه اشْتَرَى منهم أنفسَهم وأموالَهم بالجهادِ، يشتري من المؤمنِ حياتَه الدنيويةَ وهي حياةٌ قصيرةٌ مُنغَّصَةٌ مشوشةٌ بالأمراضِ والمصائبِ والبلايا والمشاقِّ، يشتريها منه بحياةٍ أبديةٍ سرمديةٍ، لا شيبَ فيها ولا هرمَ ولا مرضَ ولا غضبَ ولا أَلَمَ ولا تشويشَ، ويشتري منه مالاً قليلاً وَعَرَضًا زائلاً من الدنيا بِالْحُورِ الْعِينِ والوِلْدانِ وغُرَفِ الجنةِ وأنهارِها وثمارِها، والنظرِ إلى وَجْهِ اللَّهِ الكريمِ. فهذا هو البيعُ الرابحُ، وَاللَّهُ يقولُ في هذه السورةِ الكريمةِ: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)} [التوبة: آية 111] هذا هو البيعُ الرابحُ والمعاملةُ الراجحةُ، أما الذي يَنْقُضُهَا وينكثُها ويقدمُ للدنيا على الآخرةِ فهذا سَفِيهٌ يستحقُّ أشدَّ الإنكارِ؛ ولذا أَنْكَرَ اللَّهُ عليه بقولِه: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ} فإنه لا يَقْنَعُ بِالدُّونِ إلا مَنْ هو في غايةِ الدونِ، وقد صَدَقَ مَنْ قال (¬1):
إِذَا مَا عَلاَ الْمَرْءُ رَامَ الْعُلاَ ... وَيَقْنَعُ بِالدُّونِ مَنْ كَانَ دُونَا
فلاَ يقنعُ بالدونِ إلا مَنْ هو دُونَ كما لاَ يَخْفَى، وهذا معنَى
¬_________
(¬1) مضى عند تفسير الآية (168) من سورة الأعراف.

الصفحة 502