كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

قولِه: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ}. قد قَدَّمْنَا في هذه الدروسِ مِرَارًا أن تسميةَ اللَّهِ (جلَّ وعلا) في كتابِه للدارِ الذي نَؤُولُ إليها تسميته إِيَّاهَا (الآخرة) ينبغي للمسلمِ أن ينظرَ فيه ويعتبرَ فيه، وقد أَوْجَبَ اللَّهُ على كلِّ إنسانٍ أن ينظرَ في مبدئِه، وإذا نَظَرَ في مبدئِه دَعَاهُ ذلك إلى النظرِ في انتهاءِ أَمْرِهِ الذي يَؤُولُ به إلى مُسَمَّى الآخرةِ، وإيضاحُ ذلك أن اللَّهَ قال بصيغةِ أَمْرٍ سَمَاوِيٍّ من اللَّهِ {فَلْيَنْظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)} [الطارق: آية 5] لامُ الأمرِ في قولِه: {فَلْيَنْظُرِ} لامُ أمرٍ صادرةٌ مِنْ خَالِقِ السماواتِ والأرضِ، متوجهةً إلى مُسَمَّى الإنسانِ، يأمرُه اللَّهُ أن ينظرَ إلى الشيءِ الذي خُلِقَ منه ليعلمَ مبدأَ أمرِه وَمِنْ أينَ جَاءَ؟ وما سببُ وجودِه؟ وعلى أَيِّ طريقٍ جَاءَ؟ ثُمَّ ليَنْظُرْ بعدَ ذلك في مصيرِه، وإلى أين يُذْهَبُ به، وإلى أين يَصِيرُ، وإلى أين يكونُ آخِرُ أَمْرِهِ؟ وقد بَيَّنَ لنا هذا المحكمَ المنزلَ الذي جَمَعَ اللَّهُ به علومَ الأولينَ والآخرينَ، مبدأُ هذا الإنسانِ الضعيفِ ومنتهاه، ومصيرُه النهائيُّ الذي لا يحيدُ عنه إلى شيءٍ آخَرَ، فَبَيَّنَ أن أولَ الإنسانِ ترابٌ بَلَّهُ اللَّهُ بماءٍ، وهو قولُه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّنْ تُرَابٍ} [الحج: آية 5] فمبدأُ رحلةِ الإنسانِ ومنشؤُه من الترابِ، بَلَّهُ اللَّهُ بالماءِ، فصارَ طِينًا، وهو قولُه تعالى: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء: آية 61] {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّنْ طِينٍ لاَّزِبٍ} [الصافات: آية 11] ثم جَعَلَ نسلَه من سلالةٍ من طِينٍ، ثم إن الله خَمَّرَ ذلك الطينَ حتى صَارَ حَمَأً مَسْنُونًا، ثم أَيْبَسَهُ حتى صَارَ صلصالاً كالفخارِ، ثم خَلَقَ منه آدمَ وجعلَه لَحْمًا وَدَمًا، ثم خَلَقَ منه زوجَه، كما قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}
[النساء: آية 1] هي آدمُ {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حواءَ. وَذَكَرَ ذلك في الأعرافِ وفي الزمرِ كما

الصفحة 503