كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

هو معروفٌ، ثم بعدَ أن حَصَلَ رجلٌ وامرأةٌ صَارَ طريقةُ وجودِ الإنسانِ على طريقِ التناسلِ المعروفةِ، يكونُ أولاً من نطفةٍ أمشاجٍ من ماءِ الرجلِ وماءِ المرأةِ، ثم يخلقُ اللَّهُ تلك النطفةَ علقةً وهي الدمُ الجامدُ الذي إذا صُبَّ عليه الماءُ الحارُّ لم يَذُبْ، ثم يجعلُ اللَّهُ تلك العلقةَ مضغةً، ثم المضغةَ عِظَامًا، ثم يَكْسُو العظامَ لَحْمًا، ويخلقُ هذا البشرَ السويَّ الذي تنظرونَ إليه، الذي كُلُّ موضعِ إبرةٍ منه فيها من غرائبِ صُنْعِ اللَّهِ وعجائبِه ما يُبْهِرُ العقولَ، وقد ذَكَرْنَا مِرَارًا أن أعظمَ مَا فُتِنَ به ضعافُ العقولِ من المسلمينَ حِذْقُ الإفرنجِ، في حالةِ الدنيا، وَمِنْ أبرعِ ما بَرَعُوا فيه الطبُّ، وأنا أقولُ لكم: إنه لو اجتمعَ اليومَ جميعُ مَنْ في المعمورةِ مِنْ مهَرَةِ الأطباءِ يريدونَ أن يعملوا عمليةً في جَنِينٍ في رَحِمِ أُمِّهِ فإنهم لا يقدرونَ أن يعملوا العمليةَ حتى يَشُقُّوا بطنَها وَرَحِمَهَا والمشيمةَ التي على الولدِ، ثم يأتوا بالأشعةِ الكهربائيةِ ليمكنَهم أن يَرَوْا، ثم يعملوا، فقد تموتُ وهو الأغلبُ!! وهذا خالقُ السماواتِ والأرضِ (جلَّ وعلا)، ليس فِينَا ولا فيهم ولا في غيرِنا أحدٌ إلا وهو يعملُ فيه آلافَ العملياتِ الهائلةِ وهو في بطنِ أُمِّهِ، من غيرِ أن يحتاجَ إلى شَقِّ بطنِها، ولا إلى شَقِّ رَحِمِهَا، ولا إلى شَقِّ المشيمةِ التي على الولدِ {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: الآية 6].
هذه الأعينُ قد فَتَحَهَا اللَّهُ (جلَّ وعلا) وأنتم في بطونِ أمهاتِكم، وَصَبَغَ بعضَها بصبغٍ أسودَ، وبعضَها بصبغٍ أبيضَ، وَأَنْبَتَ عليها هذا الشعرَ، وجعلَ لها هذا الوعاءَ من الجفونِ، وهذا الدماغَ خَلَقَهُ وجعلَه في هذا الوعاءِ، وَخَاطَ عليه هذه العظامَ هذه الخياطةَ الهائلةَ، وهذا

الصفحة 504