كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

الأنفُ خلقَه وثقبَه، وهذا الفمُ خلقَه وثقبَه، وجعلَ اللسانَ، وَأَجْرَى في الفمِ عَيْنًا باردةً هي الريقُ، يبتلعُ بها الطعامَ، لو أَمْسَكَ عنه الريقَ لَمَا ابتلعَ الزبدَ الذائبَ، وَشَقَّ له مجاريَ البولِ، ومجاريَ الغائطِ، ومجاريَ العروقِ والشرايين للدورةِ الدمويةِ، ولو نُظِرَ إلى موضعِ عضوٍ واحدٍ من الإنسانِ لوُجِدَ فيه من غرائبِ صنعِ اللَّهِ وعجائبِه ما يُبْهِرُ العقولَ، ومع هذا كلِّه فخالقُ السماواتِ والأرضِ يجعلُ هذه العملياتِ الهائلةَ فيكم وأنتم في بطونِ أمهاتِكم، من غيرِ أن يحتاجَ إلى بِنْجٍ، بل بِنْجُ القدرةِ وعظمةِ الخالقِ، يُفْعَلُ للمرأةِ جميعُ هذا وهي تضحكُ وتفرحُ وتمرحُ وتعصِي خالقَ السماواتِ والأرضِ، لاَ تشعرُ بشيءٍ، لعظمةِ وقدرةِ هذا الإلهِ الخالقِ العظيمِ (جلَّ وعلا)، ثم إن الله (جلَّ وعلا) يخلقُ هذا الإنسانَ بما فيه من الغرائبِ والعجائبِ الذي كُلُّ موضعِ إبرةٍ منه يبهرُ العقولَ بما أَوْدَعَ فيه اللَّهُ مِنْ بارعِ صنعِه وغرائبِ عجائبِه، ثم يخرجُه من بطنِ أُمِّهِ ويسهلُ له طريقَ الخروجِ من ذلك المكانِ الضيقِ كما يأتِي في قولِه: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)} [عبس: آية 20] ثم يُلْهِمُهُ أَخْذَ الثديِ وهو في ذلك الصغرِ، ويلطفُ به حتى يكبرَ ويعظمَ ويكونَ قويًّا يجادلُ في رَبِّهِ، وتلك المحطةُ هي التي نَحْنُ فيها الآنَ، فقد جَاوَزْنَا ما قبلَها من المحطاتِ، وهي التي نحنُ فيها الآنَ، وهذه المحطةُ التي نحنُ فيها هي المحطةُ التي يُؤْخَذُ منها الزادُ، والسفرُ أمامَها طويلٌ، وَالشُّقَّةُ هائلةٌ، فَكَأَنَّ الإنسانَ يُقال له: يا مسكينُ، أنتَ في رحلةٍ عظيمةٍ، وَآخِرُهَا أعظمُ من أَوَّلِهَا، أشدُّ مسافةً وأكبرُ خطرًا وأعظمُ غررًا، فَخُذْ أهبتَك في وقتِ الإمكانِ، وليس موضع يمكنكَ به أخذُها
إلا في هذا الزمنِ، الذي لا تَدْرِي في أَيِّ وقتٍ يقطعُك الموتُ فيه وَيَخْتَرِمُكَ، فعلى الإنسانِ أن يبادرَ بأعظمِ ما

الصفحة 505