كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
يكونُ من السرعةِ ليأخذَ زَادَهُ ويستعدَّ عدتَه لبقيةِ هذا السفرِ العظيمِ الهائلِ الشاقِّ، ثم بعدَ هذه المرحلةِ ننتقلُ جميعًا إلى مرحلةٍ تُسَمَّى مرحلةَ القبورِ، نصيرُ جميعًا إلى القبورِ كما صَارَ إليها مَنْ قَبْلَنَا. وَذَكَرُوا أن أعرابيًّا بدويًّا سمع قارئًا يقرأُ {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)} [التكاثر: الآيتانِ 1، 2]. قال: انْصَرَفُوا وَاللَّهِ من المقابرِ إلى دارٍ أُخْرَى (¬1). لأن الزائرَ مُنْصَرِفٌ لا محالةَ، ثم إنهم يومَ القيامةِ يُخْرَجُونَ من القبورِ إلى محطةٍ أخرى وهي محطةُ عرصاتِ الحشرِ، يجتمعونَ فيها جميعًا في صعيدٍ واحدٍ ينفذُهم البصرُ ويُسمعُهم الدَّاعِي، ثم يَقْضِي اللَّهُ بينَ خلقِه بالشفاعةِ الكبرى، شفاعةِ سيدِ الأنبياءِ محمدٍ (صلواتُ اللَّهِ وسلامُه عليه)، فإذا انْقَضَى حسابُهم وَتَمَّتْ مجازاتُهم، عندَ ذلك صدورًا أشتاتًا {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا} [الزلزلة: آية 6] فمذهوبٌ به ذاتَ اليمينِ إلى الجنةِ، ومذهوبٌ به ذاتَ الشمالِ إلى النارِ، ولاَ يجتمعونَ بَعْدَ ذلك، وهذا قولُه تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا}، وهذه الأشتاتُ قَدْ أَوْضَحَ اللَّهُ معناها في سورةِ الرومِ، في قولِه تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)} [الروم: الآيات 14 - 16].
فإذا دَخَلُوا أماكنَهم دَخَلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، وفي ذلك الوقتِ يُدْعَى بالموتِ في صورةِ كبشٍ أملحَ، في مَرْأَى كُلٍّ منهم ثم يُذْبَحُ، ويُقال: يا أهلَ الجنةِ خلودٌ فلاَ موتَ، ويا أهلَ النارِ خلودٌ فلاَ موتَ، وذلك هو معنَى قولِه: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}
¬_________
(¬1) ذكره ابن كثير في التفسير (4/ 545).
الصفحة 506