كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
[مريم: آية 39] إِذْ قُضي الأمرُ وَذُبِحَ الموتُ واستقرَّ كلٌّ في منزلِه استقرارًا أبديًّا، فهذا الاستقرارُ الذي لا تَحَوُّل بعدَه، من أجلِه قِيلَ للدارِ (الآخرة) لأنها ليس بعدَها محطةٌ أخرى ينتقلُ إليها، فهي آخِرُ المحطاتِ التي ينتقلُ إليها، لا يبغونَ عنها حِوَلاً في الجنةِ، ولا خروجَ لهم من النارِ، وهذا هو معنَى قولِه: (الآخرة).
قولُه تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ} أي: في جنبِها وبالنسبةِ والإضافةِ إليها {إِلاَّ قَلِيلٌ} جِدًّا، قد جاء عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه ضَرَبَ لذلك مَثَلاً بِمَنْ وَضَعَ إصبعَه في البحرِ، فَلْيَنْظُرْ بماذا يخرجُ به أصبعُه من البحرِ (¬1)، فذلك بمثابةِ قلةِ الدنيا بجنبِ الآخرةِ، وهذا معنَى قولِه: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} لأَنَّ الدنيا دارٌ قليلٌ ما فيها، وأهلُها الذين كانوا يتمتعونَ بها إذا بُعِثُوا يحلفونَ أنهم ما مَكَثُوا فيها إلا ساعةً كما قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الروم: آية 55] وَبَيَّنَ أن أقواهم عقلاً وأثبتَهم نظرًا يَدَّعِي أنهم مَكَثُوا يومًا أو بعضَ يومٍ، وهو قولُه في (طه): {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا} [طه: آية 104] وهذا معنَى قولِه: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} (الدنيا) تأنيثُ الأَدْنَى، وهي في غايةِ الدناءةِ والدنوِّ؛ لأنها قِيلَ من الدنوِّ بأنها عَرَضٌ عاجلٌ الآنَ، وقيل من الدناءةِ بالنسبةِ إلى الآخرةِ (¬2).
¬_________
(¬1) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: فناء الدنيا. حديث رقم: (2858) (4/ 2193).
(¬2) مضى عند تفسير الآية (51) من سورة الأعراف.