كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

{إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} [التوبة: آية 39].
قولُه: {إِلاَّ تَنْفِرُوا} هي (إن) الشرطيةُ أُدْغِمَتْ في (إلا) يعنِي: إلا تَنْفِرُوا، إن لم تَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ وَتَنْفِرُوا لجهادِ أعداءِ اللَّهِ وإعلاءِ كلمتِه فإن ذلك ضررُه عليكم لا على اللَّهِ ولا على رسولِه.
وهذه الآيةُ فيها سِرٌّ عظيمٌ يَعْلَمُ به الإنسانُ أن كُلَّ ما يفعلُه إنما أثرُه راجعٌ إلى نفسِه، فإن كان شَرًّا فهو يَجْنِي شَرًّا على نفسه، وإن كان خيرًا فهو يجلبُ الخيرَ لنفسِه {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: آية 7]. فَعَلَى كُلِّ عاقلٍ في دارِ الدنيا أن يعتبرَ بمعنَى هذه الآيةِ وما في معناها من الآياتِ، وهو أن ما يفعلُه الإنسانُ لاَ يَجْنِيهِ إلا هو، وأن حركاتِ الإنسانِ في دارِ الدنيا يَبْنِي بها مسكنَه الذي يصلُ إليه ويخلدُ فيه خلودًا أبديًّا يومَ القيامةِ، فهذه الحركاتُ والسكناتُ في دارِ الدنيا يظنُّ الجاهلُ أنها أمورٌ لاَ طائلَ تحتَها، ولا يلزمُ الاحتياطُ والنظرُ الدقيقُ فيها، وهذا من أشنعِ الغلطِ؛ لأن حركاتِ الإنسانِ في دارِ الدنيا مُقْبِلاً ومدبرًا، ذاهبًا وجائيًا، متصرفًا هنا وهنا، كُلُّهُ يبني منزلَه ومقرَّه النهائيَّ، إما أن يَبْنِيَ بذلك غرفةً من غرفِ الجنةِ يخلدُ فيها، أو يبنيَ به سجنًا من سجونِ جهنمَ، هذا هو الواقعُ، فَعَلَى كُلِّ مسلمٍ أن ينظرَ في أقوالِه وأفعالِه، فيعلم أنه ينفعُ بالطيبِ منها نفسَه، ويضرُّ بالخبيثِ منها نفسَه، ليحاسبَ فيجتنبَ الخبيثَ ويجتلبَ الطَّيِّبَ، وهذا معنَى قولِه: {إِلاَّ تَنْفِرُوا} إلا تَمْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ ورسولِه بالنفرِ إلى الأعداءِ لجهادِ أعداءِ اللَّهِ، وإعلاءِ كلمةِ اللَّهِ، ونصرِ دينِ اللَّهِ {يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} أنتم الذين تنالون الضرَّ مِنْ ذلك.
{يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} الظاهرُ أن هذا العذابَ شاملٌ لعذابِ

الصفحة 508