كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

الدنيا وعذابِ الآخرةِ، لأن التكاسلَ عن مقاومةِ الأعداءِ في دارِ الدنيا من أسبابِ عذابِ الدنيا؛ لأنه يُضْعِفُ المسلمينَ ويقوي أعداءَهم فيُهينونهم في قعرِ بيوتِهم كما هو واقعٌ الآنَ؛ لأن المسلمينَ، أو من يتسمونَ باسمِ المسلمينَ معذبونَ في أقطارِ الدنيا من جهةِ الكفرةِ، يضطهدونَهم، ويظلمونَهم، ويقتلونَهم، ويتحكمونَ في خيراتِ بلادِهم، وهذا كُلُّهُ من أنواعِ عذابِ الدنيا لتركِهم الجهادَ وإعلاءَ كلمةِ اللَّهِ (جلَّ وعلا).
وما ذكره غيرُ واحدٍ عن ابنِ عباسٍ من أنه قال: إن هذه الآيةَ نَزَلَتْ في بعضِ قبائلِ العربِ، اسْتَنْفَرَهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الغزوِ فَامْتَنَعُوا، فمنع اللَّهُ عنهم المطرَ، وأضرَّهم بالقحطِ (¬1). هذا قد يدخلُ في الآيةِ في الجملةِ، ولا يمكنُ أن يكونَ معناها؛ لأن اللَّهَ يقولُ: {يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا}. فهذا يدلُّ على أن المرادَ به ليس حبسَ المطرِ، وإن كان حبسُ المطرِ من أنواعِ العذابِ التي تُسَبِّبُهَا مخالفةُ اللَّهِ (جلَّ وعلا)؛ لأن مخالفةَ اللَّهِ وعدمَ القيامِ بأمرِه ونهيِه هي سببُ كُلِّ البلايا كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)} [الشورى: آية 30].
{يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} الأليمُ: معناه الْمُوجِعُ الذي يَجِدُ صاحبُه شدةَ أَلَمِهِ ووجعِه، والتحقيقُ هو ما قَدَّمْنَاهُ مرارًا (¬2): أن الأليمَ بمعنَى المؤلمِ، وأن (الفعيل) يأتِي في لغةِ العربِ بمعنَى (الْمُفْعِلِ).
¬_________
(¬1) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب: كراهية ترك الغزو، حديث رقم: (2489) (7/ 183)، والبيهقي (9/ 48)، والحاكم (2/ 118)، وابن جرير (14/ 254) وهو في ضعيف أبي داود ص246.
(¬2) مضى عند تفسير الآية (73) من سورة الأعراف.

الصفحة 509