كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

يا نَبِيَّ الله لهؤلاءِ المنافقينَ {أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} أي: في كونِكم طائعينَ أو كارهينَ لَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ منكم نفقةً؛ لأنه يعلمُ أنكم كفارٌ في الباطنِ، وصيغةُ الأمرِ في قولِه: {قُلْ أَنْفِقُوا} تقررَ في الأصولِ (¬1) أن مِنَ الصيغِ التي تَرِدُ لها (افعل) قَصْدَ التسويةِ بينَ الأَمْرَيْنِ، فَمِنْ أساليبِ اللغةِ أن تأتيَ بصيغةِ (افعل) تقصدُ بذلك أن تسويَ بين الأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بعدَ ذلك، ونظيرُه في القرآنِ: {فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} [الطور: آية 16] يعني: صبرُكم وعدمُه سواء لا ينفعُكم ذلك.
{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [التوبة: آية 80] يعني: استغفارُك وعدمُه سواءٌ، لاَ ينفعُ استغفارُك ولاَ عدمُه، كذلك قولُه هنا: أَنْفِقُوا طَائِعِينَ أو مُكْرَهِينَ لاَ ينفعُكم ذلك الإنفاقُ؛ لأن اللَّهَ لاَ يقبلُ أعمالَ الكفرةِ. وهذا معنَى قولِه: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [التوبة: آية 53] طوعًا أو كرهًا: مصدرانِ مُنَكَّرَانِ في موضعِ الحالِ. أي: في حالِ كونِكم طائعينَ أو مكرهينَ. وإتيانُ التسويةِ بين الأمرينِ بصيغةِ (افعل) معروفٌ في كلامِ العربِ، ذَكَرْنَا له أمثلةً في القرآنِ العظيمِ، ومن أمثلتِه في كلامِ العربِ قولُ كُثَيِّرِ عزةَ (¬2):
أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لاَ مَلُومَةً ... لَدَيْنَا وَلاَ مَقْليَّةً إِنْ تَقَلَّتِ

يعني: إن أَسَأْتِ أو أَحْسَنْتِ إلينا فَكُلُّ ذلك سواءٌ لاَ يُغَيِّرُ وُدَّنَا القديمَ بالنسبةِ إليكِ.
وقولُه: {لَّنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} لن يقبلَ اللَّهُ نفقتَكم. قال بعضُ
¬_________
(¬1) انظر: شرح الكوكب المنير (3/ 27).
(¬2) البيت في ابن حرير (14/ 293)، القرطبي (8/ 161).

الصفحة 567