كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)
وقولُه: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ} [التوبة: آية 56] هذه عادةُ المنافقينَ يتقونَ بِالأَيْمَانِ الكاذبةِ {وَيَحْلِفُونَ} للنبيِّ والمسلمينَ {بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ} في الباطنِ والظاهرِ، وَاللَّهُ يقولُ: {وَمَا هُم مِّنْكُمْ} بل هم أعداؤُكم ولا عَاشَرُوكُمْ إلا مُرْغَمِينَ على ذلك لاَ يجدونَ عنه مَفَرًّا، كما يأتِي في الآيةِ الآتيةِ بعدَ هذا {وَيَحْلِفُونَ} للنبيِّ وأصحابِه قائلينَ {إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ} بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَاللَّهُ يقولُ: {وَمَا هُم مِّنْكُمْ} هم كفرةٌ أعداءُ ليسوا منكم {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} يَفْرَقُونَ معناه: يَخَافُونَ. العربُ تقولُ: فَرِقَ الرجلُ بكسرِ الراءِ يَفْرَقُ بفتحِها على القياسِ فَرَقًا بفتحتينِ فهو فَرِقَ إذا كان خَائِفًا شديدَ الخوفِ (¬1). وهو معنًى معروفٌ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ أبِي مِحْجَنٍ الهذليِّ في أبياتِه المشهورةِ (¬2):
الْقَوْمُ أَعْلَمُ أَنِّي من سَرَاتِهِمُ ... إِذَا تَطِيشُ يَدُ الرِّعْدِيدَةِ الْفَرِقِ
الذي يرتعدُ إذا أرادَ أن يرميَ فترتعدُ يدُه من الفرقِ وهو الخوفُ. أي: {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} أي: يخافونَ منكم فَيَتَوَدَّدُونَ ويحلفونَ لكم الأيمانَ الكاذبةَ أنهم منكم في الباطنِ وليسوا منكم في الباطنِ، بل هم أعداءُ كفَرَةٌ فَجَرَةٌ، هم أَعْدَى الناسِ لكم كما سيأتِي قريبًا. وهذا معنَى قولِه: {وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} ثم بَيَّنَ شدةَ عداوتِهم لهم فقال: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً} [التوبة: آية 57] لو كانوا يَجِدُونَ مَلْجَأً يلجؤون إليه ويعتصمونَ به دونَكم للجؤوا إليه.
¬_________
(¬1) انظر: المفردات (مادة فرق) (634).
(¬2) البيت لأبي محجن الثقفي. وهو في الشعر والشعراء لابن قتيبةص277، تاريخ دمشق (68/ 46، 47).