كتاب العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (اسم الجزء: 5)

واختلف علماءُ العربيةِ في لفظةِ جهنمَ هل هي عربيةٌ أصلاً أو مُعَرَّبَةٌ (¬1)؟ والتحقيقُ أن القرآنَ العظيمَ ليس فيه عجميٌّ أصلاً (¬2) إلاَّ الأعلام، وإن كان بعضُ الكلماتِ معروفةً في كلامِ العجمِ، فبدلاً من أن نقولَ: إن العربَ أخذوها من العجمِ نقولُ: إن العجمَ أخذوها من العربِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ في القرآنِ: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)} [الشعراء: الآية 195]. ولا يمكنُ أن نحكمَ بأن شيئًا منه غيرُ عربيٍّ إلاَّ بدليلٍ قاطعٍ كالأعلامِ، فإن الأعلامَ تُذَكَّرُ في جميعِ اللغاتِ حسب ما وُضِعَتْ بوضعِها الأولِ.
وعلى أن {جَهَنَّمَ} أصلُها عربيةٌ وأصلُها من كلامِ العربِ لا معرَّبة: فأصلُ مادتِها (الجيم، والهاء، والميم) والنونُ المشددةُ فيها زائدةٌ - فعلى هذا القولِ يكونُ وزنُها بالميزانِ الصرفيِّ: (فعنَّل) (¬3) بزيادة النون المشددة بين العين واللام، وعليه فحروفُها الصحيحةُ هي: (الجيم) في محلِّ (الفاء)، و (الهاء) في محلِّ (العين) و (الميم) في محل (اللام) من (جَهَمَهُ يَجْهَمُه) إذا لقيه بوجهٍ عابسٍ مقطَّبٍ كَرِيهٍ؛ لأن أصحابَها إذا دخلوا فيها تَلَقَّتْهُمْ بوجهٍ عابسٍ كريهٍ وتقطَّبت وَعَبَسَتْ وجوهُهم فيها، والعربُ تقولُ: (جَهَمَه) (يَجْهَمُه) إذا تَلَقَّاهُ بوجهٍ عابسٍ كريهٍ، ومنه قولُ عمرِو بنِ الفضفاضِ الجهنيِّ (¬4):
وَلاَ تَجْهَمِينَا أُمَّ عَمْرٍو، فَإِنَّمَا ... بنَِا دَاءُ ظَبْيٍ لَمْ تَخُنْهُ عَوَامِلُهْ
¬_________
(¬1) السابق.
(¬2) السابق.
(¬3) السابق.
(¬4) السابق.

الصفحة 624