كتاب تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (اسم الجزء: 5)
ابتداء كلام، ف طاعَةٌ على هذا القول: ابتداء، وخبره: لَهُمْ والمعنى أن ذلك منهم على جهة الخديعة، فإذا عزم الأمر ناقضوا وتعاصوا.
وقوله: عَزَمَ الْأَمْرُ استعارة كما قال:
قد جدت الحرب بكم فجدوا ومن هذا الباب: نام ليلك ونحوه.
وقوله: صَدَقُوا اللَّهَ يحتمل أن يكون من الصدق الذي هو ضد الكذب، ويحتمل أن يكون من قولك عود صدق، والمعنى متقارب.
وقوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ مخاطبة لهؤلاء الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي قل لهم يا محمد.
وقرأ نافع وأهل المدينة «عسيتم» بكسر السين. وقرأ أبو عمرو والحسن وعاصم وأبو جعفر وشيبة:
«عسيتم» بفتح السين، والفتح أفصح، لأنه من عسى التي تصحبها «أن» . والمعنى: فهل عسى أن تفعلوا إِنْ تَوَلَّيْتُمْ غير أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ، وكأن الاستفهام الداخل على عسى غير معناها بعض التغيير كما يغير الاستفهام قولك: أو لو كان كذا وكذا. وقوله: إِنْ تَوَلَّيْتُمْ معناه: إن أعرضتم عن الحق. وقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن.
وقرأ جمهور القراء: «إن توليتم» والمعنى: إن أعرضتم عن الإسلام. وقال كعب الأحبار ومحمد بن كعب القرظي المعنى: إن توليتم أمور الناس من الولاية، وعلى هذا قيل إنها نزلت في بني هاشم وبني أمية، ذكره الثعلبي. وروى عبد الله بن مغفل عن النبي عليه السلام: «إن وليتم» بواو مضمومة ولام مكسورة. قرأ علي بن أبي طالب: «إن تولّيتم» بضم التاء والواو وكسر اللام المشددة على معنى: إن وليتكم ولاية الجور فملتم إلى دنياهم دون إمام العدل، أو على معنى: إن توليتم بالتعذيب والتنكيل وأفعال العرب في جاهليتها وسيرتها من الغارات والسباء، فإنما كانت ثمرتها الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم، وقيل معناها: إن توليكم الناس ووكلكم الله إليهم.
وقرأ جمهور الناس: «وتقطّعوا» بضم التاء وشد الطاء المكسورة. وقرأ أبو عمرو: «وتقطعوا» بفتح التاء والطاء المخففة، وهي قراءة سلام ويعقوب.
وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ إشارة إلى مرضى القلوب المذكورين. و: لَعَنَهُمُ معناه: أبعدهم. وقوله: فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ استعارة لعدم سمعهم فكأنهم عمي وصم.
قوله عز وجل: