كتاب تفسير ابن كثير ط العلمية (اسم الجزء: 5)

إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَيْ خُفْيَةً عَنْ قَوْمِهِ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً أَيْ لَا وَلَدَ لِي وَلَا وَارِثَ يَقُومُ بَعْدِي فِي النَّاسِ وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ دُعَاءٌ وَثَنَاءٌ مُنَاسِبٌ لِلْمَسْأَلَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ أَيِ امْرَأَتَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ عَاقِرًا لَا تَلِدُ فَوَلَدَتْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ: كَانَ فِي لِسَانِهَا طُولٌ، فَأَصْلَحَهَا اللَّهُ وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ فِي خَلْقِهَا شَيْءٌ فَأَصْلَحَهَا اللَّهُ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ، وَالْأَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ الْأَوَّلُ.
وَقَوْلُهُ: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ أَيْ فِي عَمَلِ الْقُرُبَاتِ وَفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً قَالَ الثَّوْرِيُّ: رَغَبًا فِيمَا عِنْدَنَا وَرَهَبًا مِمَّا عِنْدَنَا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْ مُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُؤْمِنِينَ حَقًّا.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: خَائِفِينَ. وَقَالَ أَبُو سِنَانٍ: الْخُشُوعُ هُوَ الْخَوْفُ اللَّازِمُ لِلْقَلْبِ لَا يُفَارِقُهُ أَبَدًا.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: خَاشِعِينَ أَيْ مُتَوَاضِعِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: خَاشِعِينَ أَيْ مُتَذَلِّلِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن إسحاق عن عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَتُثْنُوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَتَخْلِطُوا الرَّغْبَةَ بِالرَّهْبَةِ، وَتَجْمَعُوا الْإِلْحَافَ بِالْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ:
إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ.

[سورة الأنبياء (21) : آية 91]
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91)
هكذا يذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام مقرونة بِقِصَّةِ زَكَرِيَّا وَابْنِهِ يَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَيَذْكُرُ أَوَّلًا قِصَّةَ زَكَرِيَّا ثُمَّ يُتْبِعُهَا بِقِصَّةِ مَرْيَمَ، لأن تلك مربوطة بهذه، فَإِنَّهَا إِيجَادُ وَلَدٍ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ قَدْ طَعَنَ فِي السِّنِّ، وَمِنَ امْرَأَةٍ عَجُوزٍ عَاقِرٍ لَمْ تَكُنْ تَلِدُ فِي حَالِ شَبَابِهَا، ثُمَّ يَذْكُرُ قِصَّةَ مَرْيَمَ وَهِيَ أَعْجَبُ فَإِنَّهَا إِيجَادُ وَلَدٍ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، هَكَذَا وَقَعَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَفِي سُورَةِ مَرْيَمَ، وَهَاهُنَا ذَكَرَ قِصَّةَ زَكَرِيَّا ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِقِصَّةِ مريم بقوله: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها يَعْنِي مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [التَّحْرِيمِ: 12] .
وَقَوْلُهُ وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ أَيْ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شيء قدير، وأنه يَخْلُقُ ما يَشاءُ، وإِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ:
وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مَرْيَمَ: 21] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عمر بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ شعيب يَعْنِي ابْنَ بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:

الصفحة 325

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text