كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

قد رجلوا جممهم، ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا, قال -صلى الله عليه وسلم: "أولم تسلموا"؟ قالوا: بلى، قال: "فما هذا الحرير في أعناقكم
__________
سرت بريدًا وفرسخًا, جاعلين ذلك ظرف مكان، وبين إبهام نحو مسجد؛ حيث جعل النصب على التوسّع، أن الفرسخ والبريد اسم آلة يكال بها، لا اسم حصة معينة بخلاف نحو: دار ومسجد، فاسم لحصة محدودة في نفس الأمر، وإن لم تكن معينة "قد رجلوا" بجيم فلام ثقيلة سرَّحوا "جممهم" بجيم مضمومة، فميمين مفتوحتين فهاء- جمع جُمَّة، وهي مجتمع شعر الناصية التي تبلغ المنكبين، زاد ابن إسحاق، وتكحَّلوا "ولبسوا جباب" جمع جبة, ثوب معروف، ويجمع أيضًا على جيب، كما في القاموس "الحبرات" -بكسر المهملة وفتح الموحدة, جمع حبرة بزنة عنبة, من البرود ما كان موشيًا مخططًا، وفي الفتح يقال: برد حبير وبرد حبرة بزنة عنبة، على الوصف والإضافة "مكففة بالحرير" أي: مجعولًا لكل منها كفة -بضم الكاف وشد الفاء وتاء تأنيث- السجاف، ويسمَّى الطرة أيضًا، وكل مستطيل كفة -بالضم، وكل مستدير كفة -بالكسر؛ ككفة الميزن، وقيل: بالوجهين فيهما.
زاد في رواية: والديباج المخوَّص بالذهب، "فلمَّا دخلوا" قالوا: أبيت اللعن وكانت تحيتهم، فقال -صلى الله عليه وسلم: "لست ملكًا، أنا محمد بن عبد الله"، قالوا: لا نسميك باسمك، قال: "أنا أبو القاسم"، فقالوا: يا أبا القاسم, إنا خبَّأنا لك خبأ، فما هو؟ وكانوا خبئوا له عين جرادة في ظرف سمن، فقال -صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله، إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإن الكاهن والكهانة والتكهن في النار"، فقالوا: كيف نعلم أنك رسول الله، فأخذ كفًّا من حصباء، فقال: "هذا يشهد أني رسول الله"، فسبَّح الحصا في يده، فقالوا: نشهد أنك رسول الله -صلى الله عليه وسلم، "إن الله بعثني بالحق، وأنزل عليّ كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فقالوا: أسمعنا منه, فتلا: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} [الصافات: 1] ، حتى بلغ {وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} [الصافات: 5] ، ثم سكت، وسكن -صلى الله عليه وسلم؛ بحيث لا يتحرك منه شيء، ودموعه تجري على لحيته، فقالوا: إنا نراك تبكي، أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟ قال: "إن خشيتي أبكتني، بعثني على صراط مستقيم في مثل حدّ السيف، إن زغت عنه هلكت"، ثم تلا: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الإسراء: 86] " الآية، ثم "قال -صلى الله عليه وسلم: أتيتمونا "أولم تسلموا"،" فالمعطوف عليه مقدَّر بعد همزة الاستفهام الحقيقي؛ لأن كثيرًا وفدوا مشركين، فيعرض عليهم الإسلام، أو التقرير يرى ليرتب عليه لومهم على الحرير، "قالوا: بلى" أسلمنا، "قال: "فما" بال "هذا الحرير في أعناقكم" وهو لا يجوز لبسه للرجال، ولعله جاوز حد السجاف، فلا يرد على قول الفقهاء بجواز التسجيف بالحرير.
زاد في رواية: وكان على النبي -صلى الله عليه وسلم- حلة يمانية، يقال: إنها حلة ذي يزن, وعلى أبي بكر

الصفحة 161