كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

ومن شواهده أيضًا: ما للعسكري عن أنس رفعه: "السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد". وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال نصف العلم, والرفق نصف المعيشة".
وفي صحيح ابن حِبَّان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق". وهذا
__________
بدليل اللفظ السابق "والرفق"، أي: الاقتصاد في النفقة بقدر ذات "نصف المعيشة"، وهي ما يعاش به من أسباب العيش، "وما عال امرؤ"، أي: افتقر، "في اقتصاد"، وورد: الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة، ورواه الدارقطني والطبراني وغيرهما، ويروى كما في الفردوس: خير من كثير من التجارة، "وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال"، أي: حسنه، "نصف العلم، والرفق نصف المعيشة"، وجاء في خبر: من فقه الرجل رفقه في معيشته.
قال مجاهد: ليرفق أحدكم بما في يده، ولا يتأوّل قوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} ، فإن الرزق مقسوم، فلعلَّ رزقه قليل، فينفق نفقة الموسع، ويبقى فقيرًا حتى يموت، بل معنى الآية: إن ما كان من خلف فمنه سبحانه، فلعله إذا أنفق بلا إسراف ولا إقتار كان خيرًا من معاناة بعض التجار.
"وفي صيح ابن حبان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال له: "يا أبا ذر, لا عقل"، أي: لا شيء مما يؤدي إليه العقل من المحاسن، "كالتدبير"، وهو النظر في العواقب لأمن صاحبه الغوائل والوقوع فيما يضره.
قال الطيبي: أراد بالتدبير العقل المطبوع، وقال القيصري: هو خاطر الروح العقلي، وهو خاطر التدبير لأمر المملكة الإنسانية، والنظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات، ومنه يؤخذ الفهوم والعلوم الربانية، "ولا ورع"، أي: لا شيء من أسبابٍ تؤدي إلى الورع، وهو اجتناب الشبهات، خوفًا من الوقوع في الحرام، "كالكف" أي: منع النفس عن الحرام والمكروه، فمن فعله بَعُدَ عن الشبهات، والورع في الأصل الكَفّ، ثم استُعِيرَ للكفّ عن المحارم، فإن قيل: يلزم اتحاد المشبّه والمشبَّه به، أجيب بأنه إذا أطلق فهم منه كف الأذى، أو كف اللسان، فكأنه قيل: لا ورع كالصمت، أو كفّ الأذى عن الناس، أو عن المحارم، "ولا حسب"، أي: لا شيء يفتخر به من الصفات الحميدة، "كحسن الخلق" مع الخلق، فالأوَّل عام والثاني خاص، و"هذا اللفظ عند البيهقي في الشعب"، وقد أبعد شيخه السخاوي النجعة في الغزو، فإنه في سنن

الصفحة 374