كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر"، أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن.
__________
قال علي -رضي الله عنه: لا يزهدنَّك في المعروف كفر من كفر، فقد يشكر الشاكر إضعاف جحود الكافر.
قال الماوردي: فينبغي لمن أراد إسداء المعروف أن يجعله حذرًا من فوته، ويبادر به خيفة عجزه، ويعتقد أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه، ولا يمهله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت، فأعقبت ندمًا، ومعوّل على مكنة زالت، فأورثت خجلًا، ولو فطن لنوائب دهره، وتحفَّظ من عواقب فكره، لكانت مغارمه مدحورة، ومغانمه محبورة. وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها، "وصدقة السر"، أي: فيه، وهو ما لم يطَّلع عليه إلا الله، وفي رواية: والصدقة خفيًا "تطفئ غضب الرب".
قال الطيبي: يمكن حمله على المنع من إنزال المكروه في الدنيا، ووخامة العاقبة في العقبى من إطلاق السبب على المسبب، فإنه نفى الغضب، وأراده الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في العقبى.
قال ابن العربي: وهو الموفِّق عبدَه لما تصدَّق به، فهو المطفئ غضبه بما وفق عبده، وقال بعضهم: معنى الحديث: الحث على إخفاء الصدقة؛ لأنه دليل على إخلاصه لمشاهدته ربه، وهي درجة الإحسان، وفي القرآن: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] ، فبنور الإخلاص، ورحمة الإحسان إطفاء نار الغضب، وفي رواية: "وصدقة العلانية تقي ميتة السوء"، وفي الترمذي، وقال: حسن غريب, من حديث أنس: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء"، "وصلة الرحم" القرابة، بالتعهد والمراعاة والمواساة، ونحو ذلك "تزيد في العمر" بالبركة فيه، حتى يحصل منه في الزمن اليسير طاعات لا تحصل من غيره في الزمن الكثير، أو حقيقة بأن يزاد فيه على ما كتب في صحف الملائكة، والأُول أَوْلَى؛ إذ هذا ليس زيادة حقيقة؛ إذ علم الله يتعلق بكونه يصل ويمد له عمره، "أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن" عن أبي أمامة، ورواه في الأوسط عن أم سلمة بزيادة: "وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف"، قال السخاوي: وسنده ضعيف، قال الماوردي: وللمعروف شروط لا يتم إلّا بها، ولا يكمل إلّا معها، فمنها: ستره عن إذاعته، وإخفاؤه عن إشاعته.
قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا صنع معك فانشره، لما جبلت عليه النفس من إظهار ما أخفي، وإعلان ما كتم، ومنها تصغيره بالنسبة لنعم الله عليه، وإن كان