كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
وقوله -عليه الصلاة والسلام: "العفو لا يزيد العبد إلا عزًّا، والتواضع لا يزيده إلا رفعه, وما نقص مال من صدقة".
وروى مسلم: "ما نقضت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا،
__________
عظيمًا.
قال العباس: لا يتمّ المعروف إلّا بتعجيله وتصغيره وستره، ومنها: ترك الامتنان به, والإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر، ومنها: أن لا يحتقر منه شيئًا وإن قلَّ إذا عجز عن الكثير.
"وقوله -عليه الصلاة والسلام: " العفو": التجاوز من الشخص عن عقوبة ثبتت له على غيره، وقدر على مؤاخذته، وتركها لله سبحانه، لا لغرض آخر "لا يزيد العبد إلّا عزًّا"، أي: رفعة عند الله في الدنيا، فإن من عُرِفَ بالعفو والصفح عَظُمَ في القلوب، أو في الآخرة، بأن يعظم ثوابه، أو فيهما، ثم محل حمد العفو إن لم يطغ الجاني، وإلّا فالأولى عدمه زجرًا، "والتواضع" خفض الجناح والخشوع والذلة، "لا يزيده" عند الله وعند خلقه "إلا رفعة" إذا كان حقيقيًّا، أما من أظهر صورته، معتقدًا عظمة نفسه، فهو بالتكبر أشبه، "وما نقص مال" نقصًا يعود على صاحبه منه ضرر، "من" أجل "صدقة" بل قد يبارك له فيه بسببها، فيربح، فيزيد ماله حسًّا، أو يحصل له رفق، فيسد القليل مسد الكثير.
قال القرطبي: فيه وجهان: أحدهما: إنه بقدر ما ينقص منه يزيد الله فيه وينميه ويكثره، والثاني: إنه وإن نقص في نفسه، ففي الأجر والثواب ما يجبر ذلك النقص بإضعافه، "وروى مسلم"، والترمذي، وأحمد عن أبي هريرة رفعه: "ما نقصت صدقة من مال".
قال الطيبي: يحتمل أنَّ من زائدة، أي: ما نقصت صدقة مالًا، وأنها صلة لنقصت، والمفعول الأول محذوف، أي: ما نقصت شيئًا من مال في الدنيا بالبركة فيه، ودفع المفسدات عنه, والإخلاف عليه بما هو أجدى وأنفع، وأكثر وأطيب، {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} ، أو في الآخرة بإجزال الأجر، وتضعيفه أو فيهما، وذلك جابر لإضعاف ذلك النقص، بل وقع لبعض الكمّل أنه تصدَّق من ماله، فلم يجد فيه نقصًا.
قال الفاكهاني: أخبرني من أثق به أنَّه تصدق من عشرين درهمًا بدرهم، فوزنها، فلم تنقص، قال: وأنَّا لي. وقول الكلاباذي: يراد بالصدقة الفرض، وبإخراجها ما لم ينقص ماله بعده لا يخفى، "وما زاد الله عبدًا بعفوٍ"، أي: بسبب عفوه، أي: تجاوزه "إلا عزًّا" في الدنيا، بعظمته في القلوب، وفي الآخرة تعظم ثوابه، "وما تواضع أحد لله"، من المؤمنين رقًّا وعبودية،