كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
وروى القضاعي عن أبي سلمة عن أم سلمة مرفوعًا: "ما نقص مال من صدقة, ولا عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله تعالى بها عزًّا".
وروى الديلمي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "والذي نفس محمد بيده, لا ينقص مال من صدقة". ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
__________
في الائتمار بأمره، والانتهاء عن نهيه, ومشاهدته لحقارة نفسه، ونفي العجب عنها "إلا رفعه الله" في الدنيا؛ بأن يثبت له في القلوب بتواضعه منزلة عند الناس، ويُجِلّ مكانه، وكذا في الآخرة على سرير خلد لا يفنى، ومنبر ملك لا يبلى، ومن تواضع لله في تحمُّل مؤن خلقه، كفاه الله مؤنة ما يرفعه إلى هذا المقام، ومن تواضع في قبول الحق مِمَّن دونه، قبل الله منه مدحور طاعته، وقليل حسناته، وزاد في رفعة درجاته، وحفظه بمعقبات رحمته من بين يديه ومن خلفه.
قال القرطبي: التواضع: الانكسار والتذلل، ونقيضه الكبر والترفّع، والتواضع يقتضي متواضعًا له، وهو الله، أو من أمر بالتواضع له، كالرسول، والإمام، والحاكم، والعالم، والوالد، فهو التواضع الواجب المحدود، الذي يرفع الله به صاحبه في الدنيا والآخرة، وأمَّا التواضع لسائر الخلق فالأصل أنه محمود، ومندوب إليه, ومرغَّب فيه، إذا قُصِدَ به وجه الله، ومن كان كذلك رفع الله قدره في القلوب، وطيِّبَ ذكره في الأفواه، ورفع درجته في الآخرة، وأمَّا التواضع لأهل الدنيا، ولأهل الظلم، فذلك هو الذل الذي لا عِزَّ معه، والخِسَّة التي لا رفعة معها، بل يترتب عليها ذلّ الآخرة، وكل صفقة خاسرة. وقال غيره: من جبلة الإنسان الشح بالمال، ومتابعة السبعية من إيثار الغضب والانتقام، والاسترسال في الكبر، الذي هو من نتائج الشيطنة، فأراد -صلى الله عليه وسلم- أن يقلعها من شحها، فحثَّ أولًا: على الصدقة؛ ليتحلَّى بالسخاء والكرم، وثانيًا: على العفو؛ ليعزز بعز الحلم والوقار، وثالثًا: على التواضع؛ ليرفع درجاته في الدارين.
"وروى القضاعي عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته, عن أبيه, وعثمان وأم سلمة وغيرهم، ثقة مكثر, من رجال الجميع، وُلِدَ سنة بضع وعشرين، ومات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، "عن أم سلمة" هند بنت أبي أمية القرشية، المخزومية، أم المؤمنين "مرفوعًا: "ما نقص مال من صدقة"، بل يزد دنيا وأخرى، "ولا عفا رجل"، وصف طردي لقوله: قبل عبد "عن مظلمة إلّا زاده الله تعالى بها عزًّا" في الدارين، "وروى الديلمي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "والذي نفس محمد بيده"، أقسم تقويةً وتأكيدًا "لا ينقص مال من صدقة"، ورواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وقوله -عليه الصلاة والسلام: "اللهم" -بالميم بدل ياء النداء- ولذا لا يجمعان إلّا شذوذًا، قيل:

الصفحة 393