كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
وقوله -عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أعوذ بك من شَرِّ سمعي، ومن شَرِّ بصري، ومن شَرِّ لساني، ومن شَرِّ قلبي ومن شَرِّ مَنِيّي". أخرجه أبو داود في جامعه, والحاكم في مستدركه عن شكل.
وقوله -صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى
__________
وهذه الميم، كالواو في الدلالة على الجمع, كأنه قيل: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى. قال الحسن البصري: اللهمَّ مجتمع الدعاء. وقال النضر بن شميل: من قال: اللهم، فقد سأل الله بجميع أسمائه، "إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري" فلا أسمع، ولا أبصر بهما ما يسخطك علي، "ومن شر لساني"، أي: نطقي، فإن أكثر الخطايا منه، وهو الذي يورد المرء في المهالك، وخصَّ الثلاثة؛ لأنها مناط الشهوة، ومثار اللذة، "ومن شر قلبي"، أي: نفسي، فإنها مجمع الشهوات والمفاسد لحبِّ الدنيا، والرهبة من الخلق، وخوف فوت الرزق، والأمراض القلبية من نحو: حسد وحقد وطلب رفعة، وغير ذلك، "ومن شر منيي"، أي: شدة الغلمة، وسطوة الشهوة إلى الجماع الذي إذا أفرط ربما أوقع في الزنا، أو مقدماته لا محالة، فهو حقيق بالاستعاذة من شرِّه، وخَصَّ هذه الأشياء بالاستعاذة؛ لأنها أصل كل شر وقاعدته ومنبعه، "أخرجه أبو داود في جامعه"، أي: سننه، وكذا الترمذي والنسائي خلافًا لإيهام المصنف، "والحاكم في مستدركه عن شكل" -بفتح المعجمة، والكاف- ابن حميد العبسي -بالموحدة- صحابي، نزل الكوفة, حديثه في الكوفيين، روى أصحاب السنن من طريق بلال بن يحيى العبسي، عن شتير -بمعجمة وفوقية- مصغر, عن أبيه، شكل ابن حميد قال: قلت: يا رسول الله, علمني دعاء، وفي رواية الترمذي: تعوذًا أتعوَّذ به، فأخذ بكفِّي، فقال: قل ... ، فذكره.
قال البغوي: ولا أعلم له غير هذا الحديث، ولم يرو عنه إلّا ابنه.
قال الترمذي: حسن غريب, قال في الإصابة: وأشكل له رواية عن علي.
"وقوله -صلى الله عليه وسلم: "اللهم"، الميم عوض عن الياء، ولذا لا يجتمعان، وقيل: أصله: يا الله أمنَّا بخير, فخفف بحذف حرف النداء والميم، دلّت على الجملة المحذوفة.
قال ابن الأثير: وهي ثلاثة أنحاء: النداء المحض، والثاني يذكره المجيب، تمكينًا للجواب في نفس السائل، يقول لك القائل: أزيد قائم، فتقول: اللهمَّ نعم أولًا، والثالث: يستعمل دليلًا على الندوة، وقلة وقوع المذكور، كقولك: أنا لا أزورك، اللهمَّ إذا لم تدعني, "إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى"، أي: الفتنة التي تحصل بسببه من البطر والطغيان والتفاخر، وصرف المال في المعاصي.
وقال الغزالي: هي الحرص على جمع المال وحبه، حتى تكتسبه من غير حِلّه، وتمنعه من