كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
وقوله -عليه الصلاة والسلام: "إن الدنيا عرض حاضر, يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق, يحكم فيها ملك عادل قادر، يحق فيها الحق ويبطل الباطل، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن كل أمّ يتبعها ولدها". رواه أبو نعيم في الحلية من حديث شداد.
__________
واجبات إنفاقه.
قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه، ليلتزم خوف الله وإعظامه، والافتقار إليه، وليُقْتَدَى به، وليبين صفة الدعاء, والباء للإلصاق المعنوي التخصيصي، كله خص الرب بالاستعاذة، وقد جاء في الكتاب والسنة: أعوذ بالله، ولم يسمع بالله أعوذ؛ لأن تقديم المعمول تفنن وانبساط، والاستعاذة حالة خوف، وقبض بخلاف الحمد لله، ولله الحمد؛ لأنه حال شكر، وتذكّر إحسان ونعم.
"رواه الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه"، عن عائشة مرفوعًا في حديث، وهو في الصحيحين من جملة حديث طويل.
"وقوله -عليه الصلاة والسلام: "إن الدنيا عرض" -بفتحتين- متاع "حاضر" موجود، أي: هي مع دناءتها إلى فناء، فالمتاع ما لا بقاء له، فإنما خلق ما فيها؛ لأن يستمتع به مع حقارته أمدًا قليلًا، ثم ينقضي، ولذا "يأكل منه البر والفاجر" كل بحسب ما قُدِّرَ له، بل قد يكون متاع الفاجر فيها أوسع، كما قال -صلى الله عليه وسلم: "إذا أحبَّ الله عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"، رواه الترمذي، وصحَّحه الحاكم، أي: حال بينه وبين التوسّع في اللذات والشهوات، بأن يعسِّر عليه حصول ذلك، وقال -صلى الله عليه وسلم: "الدنيا لا تصفو لمؤمن، كيف وهي سجنه وبلاؤه"، رواه ابن لال والديلمي، "وإن الآخرة وعد صادق" لا شَكَّ في وقوعه، ويحتمل التنوين والإضافة، فالصادق من أسماء الله، "يحكم فيها ملك" -بكسر اللام، "عادل" لا يجور، " قادر" على ما يشاء، وهو الله سبحانه، "يحق فيها الحق" يظهره ويحكم به، "ويبطل الباطل"، يمحقه ويذهبه، "فكونوا أبناء الآخرة"، بالأعمال الصالحة النافعة فيها، "ولا تكونوا أبناء الدنيا" بالرضا بها والطمأنينة إليها، " فإن كل أمّ يتبعها ولدها"، فمن تبع الدنيا خاب وخسر، ومن تبع الآخرة حيي الحياة الطيبة في روضات الجنات، "رواه أبو نعيم في الحلية من حديث شداد" بن أَوْس بن ثابت الأنصاري، أبي يعلى الخزرجي، صحابي، مات بالشام قبل الستين، أو بعدها، وهو ابن أخي حسان بن ثابت.