كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

وقوله -عليه الصلاة والسلام: "أخسر الناس صفقةً من أذهب آخرته بدنيا غيره".
وعند ابن النجار من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه, وهو مما بيض له الديلمي: "أخسر الناس صفقة رجل أخلق يديه في آماله, ولم تساعده الأيام على أمنيته،
__________
"وقوله -عليه الصلاة والسلام: "أخسر الناس صفقة" "، أي: من أشدهم خسرانًا لعظيم الثواب، وأعظمهم حسرة يوم المآب، "من أذهب آخرته" بترك الواجب أو المندوب "بدنيا غيره"، أي: بسبب اشتغاله بجلب دنيا غيره، كخدّام العظماء يشتغلون بنفع مخاديمهم، والقيام بمصالحهم، ويتركون الصلوات، ويحلفون الإيمان الفاجرة، ويأخذون أموال الناس لاسترضاء مخاديمهم، "وعند ابن النجار" في تاريخ بغداد "من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة" العنزي، حليف بني عدي أبي محمد المدني، وُلِدَ على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم، ووثَّقه العجلي، وورى له الستة، مات سنة بضع وثمانين، "عن أبيه" عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي -بسكون النون- حليف الخطاب, صحابي مشهور، أسلم قديمًا وهاجر، وشهد بدرًا وما بعدها، ومات ليالي قتل عثمان، "وهو مما بيض له الديلمي" لعدم وقوفه له على سند.
قال عامر: قال -صلى الله عليه وسلم: "أخسر الناس"، أي: من أخسرهم، كما علم "صفقة" هي في الأصل ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة، والخسر في الأصل: نقص رأس المال، ثم استعمل في المعينات الخارجة كالمال والجاه، وأكثر استعماله في النفيس منها؛ كصحة وسلامة، وعقل، وإيمان، وثواب، وهو المراد هنا ذكره، الراغب "رجل" وصف طردي، والمراد مكلف "أخلق" أتعب "يديه" وأفقرهما بالكد والجهد، وتجوّز بهما عن النفس؛ لأن المزاولة بهما غالبًا "في" بلوغ "آماله" جمع أمل، وهو الرجاء، وأكثر استعماله في مستبعد الحصول "ولم تساعده"، أي: تعاونه "الأيام على أمنيته"، أي: بلوغها في تحصيل مطلوبه من مالٍ ومناصب وجاه ونحوها، بل عاكسته وغدرته، فلا يزال يتشبث بالطمع الفارغ، والرجاء الكاذب، ويتمنَّى على الله ما لا تقتضيه حكمته، ولم تسبق به كلمته.
قال بعض العارفين: أماني النفس حديثها بما ليس عندها، ولها حلاوة إذا استصحبها عبد لا يفلح أبدًا، وأهل الدنيا فريقان، فريق يتمنَّون ما يتمنعون، ولا يعطون إلّا بعضًا منه، وكثير منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، فصاروا أخسر الناس صفقة، وأمَّا المؤمن المتقي، فقد حاز مراده، وهي غنى القلب المؤدي لغنى الآخرة، فما يبالي أوتي حظًّا من الدنيا أو لا، فإن أوتي منها، وإلّا فربما كان الفقر خيرًا له وأعون على مراده، فهو أربح الناس صفقة، واشتقاق الأمنية من منى قدر؛ لأن المتمني يقدّر في نفسه، ويحرز

الصفحة 396