كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
فخرج من الدنيا بغير زاد, وقدم على الله بغير حجة".
وقوله -عليه الصلاة والسلام: "إن من كنوز البر كتمان المصائب".
__________
ما يتمنَّاه "فخرج من الدنيا" بالموت "بغير زاد" يوصّله إلى دار المعاد، وينفعه يوم تقوم الأشهاد، ويفصل بين العباد؛ لأن خير الزاد إلى الآخرة اتقاء القبائح، وقد تلطَّخ بأقذارها الخبيثة الروائح، فهو مهلك لنفسه باسترساله مع الأمل، وهجره للعمل, حتى تتابعت على قلبه ظلمات الغفلة، وغلب عليه رين الشهوة، ولم يسعفه المقدور بنيل مرامه من ذلك الحطام الفاني، فلم يزل مغمومًا مقهورًا إلى أن فرق الموت بينه وبين آماله، وكل جارحة منه متعلقة بالدنيا التي فاتته، فهي تجاذبه إلى الدنيا، والموت يجاذبه إلى الآخرة التي لا يريدها، "وقدم على الله بغير حجة" معذرة يعتذر بها، وبرهان يتمسّك به على تفريطه، بتضييعه عمره النفيس في طلب شيء خبيث خسيس، وإعراضه عن عبادة ربه التي إنما خُلِقَ لأجلها {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
قال الغزالي: ومَنْ هذا حاله فهو كالأنعام، بل أضلّ؛ إذ البهيمة لم يخلق لها المعرفة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات، وهذا قد خُلِقَ له وعطَّله، فهو الناقص عقلًا، والمدبر يقينًا، ولذا قيل:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا ... كنقص القادرين على التمام
وفي الحديث إلزام للحجة، ومبالغة في الإنذار، وإعذار فيه، وتنبيه على أن إيثار التلذّذ والتنعم، مما يؤد إلى طول الأمل، ويعطّل العمل، وهذه هجيرًا أكثر الناس ليس من أخلاق المؤمنين، ومن ثَمَّ قيل: التمرغ في الدنيا من أخلاق الكافرين. ذكره الزمخشري، هكذا حمل بعض الشراح الحديث على أمنية الدنيا، وحمله بعض آخر على أمنية الأعمال الصالحة، فقال: المعنى ضلَّ وهلك رجل قَدِرَ أن يعمل في المستقبل أعمالًا صالحة، ولم تعاونه الأوقات على ذلك، فخرج بلا زاد، أي: عمل وقدم على الله بغير حجة؛ لأنه في وقت التقدير كان فارغًا صحيحًا. انتهى، وكلاهما حسن.
"وقوله -عليه الصلاة والسلام: "إن من كنوز البر"، أي: من نفس ما يتوصل به العبد إلى مقصده، "كتمان المصائب"، أي: عدم التحدث بها إلا لمصلحة, كإخبار طبيب، أو مشير ناصح، فإظهارها، والتحدث بها قادح في الصبر، مفوت للأجر، وكتمانها رأس الصبر، وقد شكا الأحنف إلى عمه وجع ضرسه، وكرره، فقال: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، فما شكوتها لأحد، وهذا بعض حديث، رواه البيهقي، وأبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عمر رفعه بلفظ: "من كنوز البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة"، أخبر عليه الصلاة أن كتم هذه الثلاثة يدخر