كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
قال صاحب فتح المنَّة بشرح الأخبار لمحيي السنة: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده، فهو من إطلاق اللازم على الملزوم، وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.
وقوله -عليه الصلاة والسلام: "اليوم الرهان وغدًا السباق, والغاية الجنة, والهالك من دخل النار".
__________
الروايتين: الأمر ليس لطلب الفعل، بل للتهديد، كقوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
"قال صاحب فتح المنَّة بشرح الأخبار لمحيي السُّنَّة: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده"، لفراغ ما كُتِبَ به، "فهو من إطلاق اللازم على الملزوم"، وفي النهاية: إنه تمثيل بفراغ الكاتب من كتابته ويبس قلمه، "وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية" التي لا تنطق عن الهوى.
"وقوله -عليه الصلاة والسلام: "اليوم"، أي: الدنيا، "الرهان" -بكسر الراء، قال المجد: المخاطرة والمسابقة على الخيل، انتهى، استعير للمسابقة على الأعمال في الدنيا، كما قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21] .
قال البيضاوي: سابقوا: سارعوا مسارعة المتسابقين في المضمار، "وغدًا"، أي: يوم القيامة، "السباق" -بالكسر- مصدر سابق مسابقة، وسباقًا بمعنى السبق -بفتحتين، وهو ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة، استُعِير للأعمال التي تلقَّاها العاملون يوم القيامة، وفي القاموس: السبق -محركة، والسبقة -بالضم- الخطر، يوضع بين أهل السباق، وفيه كالصحاح الخطر محركة: السبق الذي يتراهن عليه، وقد أخطر المال، أي: جعله خطرًا بين المتراهنين. انتهى، وفي الحديث: "لا سبق إلّا في خف أو حافر".
قال الخطَّابي: الرواية الصحيحة بفتح الباء، وهو ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة، وبالسكون مصدر سبقت أسبق، "والغاية" التي يقع عليها الرهان "الجنة"، فيه حذف دلَّ عليه المذكور، أي: أو النار، فالفائز من دخل الجنة، "والهالك من دخل النار"، والمعنى: الفائز من عمل الأعمال الصالحة، وفعل المأمورات، واجتنب المنهيات، فدخل الجنة، فرفعت له فيها الدرجات، والهالك من فعل المعاصي، فآل إلى استحقاق دخول النار، وحاصل معنى الحديث: إن الدنيا بتمامها للناس، كيومٍ يتسابق المتسابقون فيه على خيلهم إلى غاية معلومة لهم، وقد