كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

وقوله -عليه الصلاة والسلام: "من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنة".
رواه جماعة، منهم العسكري عن جابر به، وفي البخاري والترمذي عن سهل بن سعد بلفظ: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة".
__________
جعلوا ما لا يأخذه السابق غدًا، فمن عمل الصالحات فاز بذلك الجعل، الذي هو الجنة بمقتضى الوعد الصادق، ومن عمل السيئات حرم الجعل، واستحقَّ النار بمقتضى الوعيد, ما لم يعف عنه إن كان مسلمًا، هذا ما ظهر لي، ولم أر أحدًا شرحه، وبقية الحديث: "أنا الأول، وأبو بكر الثاني، وعمر الثالث، والناس بعد علي السبق الأول"، فالأوّل رواه الطبراني، وابن عدي، والخطيب، عن ابن عباس بتمامه مرفوعًا، وفيه أصرم بن حوشب، منكر الحديث.
"وقوله -عليه الصلاة والسلام: "من ضمن" في رواية: من حفظ، "لي ما بين لحييه" بفتح اللام، وسكون المهملة، والتثنية- هما العظمان في جانب الفم، "وما بين رجليه" فرجه، ترك التصريح به استهجانًا له واستحياءً؛ لأنه كان أشدَّ حياء من البكر في خدرها، "ضمنت له على الله الجنة"، رواه جماعة منهم: العسكري عن جابر به"، أي: بهذا اللفظ مرفوعًا.
"وفي البخاري" في الرقاق والمحاربين، "والترمذي" في الزهد، وقال: حسن صحيح غريب، "عن سهل بن سعد" -بسكون الهاء والعين- الساعدي، عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "بلفظ: "من يضمن".
قال الحافظ: بفتح أوّله وسكون المعجمة، والجزم من الضمان، بمعنى الوفاء بترك المعصية، "لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن" بالجزم جواب الشرط "له الجنة" أي: على الله، كما في الرواية السابقة، ولم تقع في البخاري والترمذي، فزيادتها في بعض نسخ المصنف هنا لا تنبغي، والمراد بالضمان لازمه، وهو أداء الحق الذي عليه، فالمعنى: من أدَّى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عمَّا لا يعنيه، وأدَّى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال، وكَفِّه عن الحرام، قاله الحافظ وغيره.
وقال الطيبي: أصل الكلام من يحفظ ما بين لحييه من اللسان والفم، فيما لا يعنيه من الكلام والطعام يدخل الجنة، فأراد أن يؤكِّد الوعد تأكيدًا بليغًا، فأبرزه في صورة التمثيل، ليشير بأنه واجب الأداء، فشبَّه صورة حفظ المؤمن نفسه، مما وجب عليه من أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ونهيه، وشبَّه ما يترتَّب عليه من الفوز الجنة، وأنه واجب على الله تعالى بحسب الوعد أداؤه، وأنه -صلى الله عليه وسلم- هو الواسطة والشفيع بينه وبين الله تعالى بصورة شخص له حقّ واجب الأداء على الآخر، فيقوم به ضامنًا من يتكفَّل له بأداء حقه، وأدخل المشبّه في جنس صورة المشبَّه به، وجعله فردًا من أفراده، ثم ترك المشبه به، وجعل القرينة الدالة عليه ما يستعمل فيه من الضمان ونحوه في

الصفحة 401